الثلاثاء , 10 أبريل 2018

وصيّة عبد الكريم الجندي التي كتبها عشية انتحاره

 

وصيّة  عبد الكريم الجندي التي كتبها حين اتخذ قراره بمفارقة الحياة مساء يوم 1 آذار 1969  :
” هذه كلمة من مواطن كرّس نفسه لخدمة قضية شعبه موجهة إلى كل مواطن شريف .

السؤال المطروح: هل يمكن لمعركة الشعوب أن تنجح ضد الاستعمار والصهيونية والرجعية؟

الجواب: نعم وبشدة.

إن هذا الجواب لا يمكن أن يصل إليه الإنسان دفعة واحدة وقد يتردد لإعطاء هذا الجواب، وقد يتردد أكثر لأن يقف في اتجاه هذه المعركة ومعها.

في أي بلد متخلف ووطن ممزق وإنسانية مسحوقة تبدو الصورة أكثر تشاؤماً وذلك عندما يرى الإنسان بأم عينيه قوى الاستعمار ومخططاته وتسلل هذه القوى حتى إلى داخل قوى التقدم وأنصار الثورة بل وقادتها، تزداد الصورة تشاؤماً ويفقد الإنسان أحياناً الثقة بنفسه وبشعبه ومن ثم يتجه مع القوى المعادية وينقلب من وطني إلى عميل ومن تقدمي إلى رجعي ومن مخلص إلى خائن، كما ويفلسف انقلابه هذا بشتى المبررات.

وفي نفس البلد المتخلف عندما يلمس الإنسان بإنسانية مطلقة وعميقة عفوية الجماهير واندفاعاتها تبدو الصورة متفائلة ويبدو الأمل في عينيه ويندفع في طريق الثورة والحرية بكل طاقاته وإمكانياته.

وعندما يستعرض ٍالإنسان بصبر وأناة ما تم من تقدم في حركة الشعب وعندما يختلط بإدراك في قوى الجماهير يلمس الثقة والإرادة.

هاتان الصورتان كانتا تشدّاني باستمرار إلى أن أكون في صفوف معركة الشعوب والحرية.

إن جلسة مع مواطن بريء، مع طفل صغير، يصر على مقاومة المستعمر، كانت كافية لأن يزداد يقيني بحتمية انتصار معركة الشعوب وكان ذلك يدفعني إلى أن أشعر في هذا المنحى بكل صوفية دونما أية أغراض شخصية أو مكاسب.

كما أنني من خلال عملي كنت مصمماً وباستمرار على القضاء على الجواسيس والعملاء.

كنت أثق بكل من حولي وبشكل خاص بكل أعضاء القيادة ورفاق الطريق، وبكل وطنيٍّ مؤمن بقضية شعبه.

لقد ضحيتُ بكل ما من شأنه أن يحمي شخصي أو يدافع عن كياني الشخصي.

لقد حاولت باستمرار أن أكون متجرداً من كافة العلاقات الاجتماعية البالية لإيماني المطلق بأنها لا يمكن أن تبني معركة الشعوب، وكان عليّ أن أكون مثالاً في ذلك .

في نفس الوقت كان غيري يركز باستمرار ويتمسك بهذه العلاقات من أجل دعم موقفه الشخصي أو حماية نفسه.

لقد فهمت الحزب والثورة أنها ثورة على الذات قبل أن تكون ثورة على المجتمع، فيما فهمها الآخرون ثورة من أجل المنصب والمكاسب ولإرضاء الغرور الشخصي.

لقد كنت راضياً عن نفسي دائما لثقتي أن هذا هو طريق المناضلين.

لقد كنت أول من ضحى بنفسه بقرار من رفاقه ومن أجلهم دونما أية حسابات، وقد حدث ذلك قبل 8 آذار وبعدها وفي الثامن من آذار و23 شباط و 8 أيلول وفي كل المناسبات، فيما كان الآخرون يستغلون هذه التضحية.

لم أكن غبياً فقد كنت أرى كل شيء وأعرف كل الأمور والأغراض الشخصية للآخرين.

إن إيماني بحتمية انتصار مسيرة الثورة الشعبية كان يلجمني باستمرار عن فضح وكشف كل الارتباطات وأعمال الخيانة والتجسس وحماية العملاء، إذ أن يقيني بتصاعد مسيرة الثورة كان كفيلاً بسقوط هؤلاء.

كان ارتباطي بالمنظمة بالجماعة وبالشعب والجماهير أمراً مقدساً بالنسبة لي كما كان يمنعني باستمرار من إتباع أية سياسة شخصية في كل ما يتعلق بالقضية.

السؤال الثاني: هل هذه نهاية الثورة؟

قد تكون نهاية الثورة وقد تكون بدايتها:

– قد تكون إذا آمنا بحتمية انتصار الاستعمار والصهيونية والرجعية والعملاء والمخادعين، وهذا لا يمكن أن يكون طبيعياً في تاريخ الشعوب.

– وقد تكون بدايتها لأنها في الأصل لم تكن ثورة بكل معنى الكلمة، لقد كانت انقلاباً عسكرياً يهدف للتحول إلى ثورة شعبية، كانت هذه هي الفكرة التي ناقشناها قبل 8 آذار بيومين.

– وكان هذا هو نفس السؤال الذي عرضناه قبل 23 شباط.

– إن الظروف العامة في الوطن العربي مهيأة للثورة ويلزم لذلك القيادة الثورية والحزب الثوري.

– لم تكن هذه النواة سليمة، فقد تفجرت فيها الألغام تباعاً، وأفصحت هذه الألغام عن ارتباطاتها المشبوهة وعلاقاتها بالدوائر الاستعمارية.

كما تبين أن المؤسسات لم تكن مكتملة النضوج.

كانت الإرادة أن تكتمل الأداة من خلال النضال وهذه طبيعة الحياة .

قد لا يكون جيلنا من القادة محظوظاً بالاستمرار في قيادة الثورة، وقد أكون أو لا أكون أنا لأنني غير مهم.

المهم أن طريق الثورة مستمر ومؤكد لتحرير الشعب و لا يمكن أن يحقق ذلك إلا من اعتبر بالمرحلة الحالية، و إلا قوى الشعب العاملة الكادحة.

– إن التحرك الأخير لرفيقنا وزير الدفاع وزمرته، يهدد كيان الشعب ويهدم منجزاته وينسف أسسه. فهو كنيرون سيدمر القضية ويدمر نفسه، لأنه مغرور مرتبط مشبوه ينفذ بدقة مخططات الأعداء من كل الأصناف.

– وبشكل خاص في الظروف الراهنة التي تهدد كيان الأمة وبعد تصاعد العمل الفدائي وتصميم الشعب العربي على استرداد كرامته.

– إني لا أقول ما قلته طمعاً في قيادة مقبلة فقد لا أكون حياً، ولا طمعاً في زعامة، ولا انتقاماً أو تهويشاً.

– إنها كلمة إخلاص أقولها للتاريخ وللأجيال ولكل مواطن كادح شريف. ” -انتهى النصّ-

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

A
Page Reader Press Enter to Read Page Content Out Loud Press Enter to Pause or Restart Reading Page Content Out Loud Press Enter to Stop Reading Page Content Out Loud Screen Reader Support