الأربعاء , 11 أبريل 2018

من رجالات الجولان .. الشيخ الأزهري طاهر جتاو (تشتاو)

د.عادل عبد السلام (لاش) – التاريخ السوري المعاصر 

من رجالات الجولان وأعلامها – قرية الجويزة

الشيخ الأزهري الأستاذ طاهر جتاو (تشتاو)ЧЭТАУعالم دين إسلامي شركسي جليل وأستاذ مادة الديانة في المدرسة الشركسية في القنيطرة (بين 1932-1942)، من أبناء قرية الجويزة الشركسية في الجولان السوري المحتل، حيث عاشت مجموعة من الشركس الذين نجوا من الإبادة الروسية، طردتهم روسيا من ديارهم، ووطَنهم العثمانيون في تركيا والبلقان وبلاد الشام بين سنتي 1864 و1878. حتى نزوحهم عن الجولان سنة 1967 إثراحتلال قريتهم من قبل إسرائيل.
ولد طاهر أفندي في قرية الجويزة في أسرة آل تشتاو من قبيلة الأبزاخ Абдзах ، ويعني اسمها (الضارب بالسيف، أو السياف) وهي من الأسر الشركسية العريقة المحافظة، وترعرع في مجتمع يتقيد بالعادات والتقاليد الشركسية الصارمة المعروفة بـ (أدِغة خابزة Адыгэ Хабзэ )، التي تقوم مقام الدستور الناظم لحياة الشركس اليومية، وسلوكياتهم وتعاملهم. والخابزة الشركسية عند الكثير من الباحثين في المعتقدات والأنتروبولوجيا، هي بمثابة الناظم الاجتماعي والقومي للشركس، نشأت مبادؤها من تجارب الحياة وتراكمت من الخبرات والأحداث على امتداد التاريخ الشركسي منذ أكثر من خمسة ألاف سنة مضت، كان الشركس في أغلبها يقدسون أكثر من 30 رباً وربة من الطبيعة وخارجها، مثلهم في ذلك مثل عرب ما قبل الإسلام والشعوب القديمة الأخرى، إلى أن دخلت المسيحية إلى القفقاس، واعتنقتها في القرن الرابع الميلادي نسبة من الشركس، جاء بعدها الإسلام الذي يعتنقه الشركس اليوم منذ القرن السادس عشر والسابع عشر إلا بضعة آلاف من مسيحيي مدينة مزدَكَو وثلاث قرى قريبة منها في إقليم القبرتاي الصغرى (جلاخستني). وعلى الرغم من الإيمان العميق بالإسلام وتطبيق تعاليمه من قبل أتباعه من الشركس في العالم، فإن تعاليم الأدِغة خابزة ما زالت ذات قوة سحرية وتأثير واضح في المجتمع الشركسي وسلوكيات أفراده، على الرغم من تراجع التمسك بها أمام المد الحضاري والفكري المعاصر، وتأثير ثقافات مجتمعات بلدان الشتات الشركسي. ويعد كل من سلانتشري دكَو (Сэлэнчэри Дэгу) في الغرب الشركسي، و قزانوقوة جباغ (Къэзаныкъо Джэбагъ) في الشرق الشركسي، أشهر واضعي أسس الأديغة خابزة وحكمائها.
كان طاهر فائق الذكاء ونجيباً وماهرا متعدد الكفاءات، متقناً لكثير من الأعمال، وكان من المتمسكين بتعاليم الأدِغة خابزة إلى جانب تطبيقه التعاليم الإسلامية، وكان مؤمناً بأن الخابزة لا تتعارض مع الإسلام، بل كان يرى أن بعض الممارسات في بعض القضايا مثل عدم توريث الأنثى الأرض عند المسلمين والمسيحيين في الريف السوري هي مخالفة صريحة لتعاليم الإسلام والمسيحية، وترجع إلى الزمن العشائري العربي الجاهلي وما قبله، في حين يطبقها الشركس حسب الشرع الإسلامي والخابزة. كل هذا وغيره دفع بطاهر إلى مقارنتهما في سبيل التقريب بينهما. وقامت أسرته بعد إنهاء دراسته في مدينة القنيطرة إلى إرساله للدراسة في الأزهر في القاهرة، مستفيداً من إحدى المنح المخصصة للطلبة الشركس من إدارة (رواق) الأتراك الذي كان يستقبل الطلاب الشركس.
وبعدما أنهى الشيخ طاهر دراسته العليا في الأزهر بتفوق كبير لفت انتباه المسؤولين إليه، قام الأزهربتكريمه وكان على رأس مكرميه خديوي مصر، الذي أخبر طاهراستعداده تحقيق أية رغبة من رغباته، فرجاه طاهر العمل على المساعدة في بناء جامع في قريته الجويزة في سورية، لافتقارها إلى جامع أو مسجد. واستجاب الخديوي لطلب طاهر وقام بتمويل بناء الجامع وإرسال من يساعد في بنائه. عاد طاهر إلى الجويزة والجولان عالماً أزهرياً، وكرس معارفه الدينية لخدمة أبناء جلدته وجيرانهم من العرب والدروز والتركمان. لكنه ازداد تمسكاً بالأدِغه خابزة ومنادياً بعدم تعارض الإسلام مع الخابزة الشركسية. فكان يحضر كافة المناسبات والطقوس المعروفة عند الشركس. مع تمسكه الشديد بالفرائض والتعاليم الدينية. وكان يدرس تلاميذه الدين في المدرسة الشركسية في القنيطرة الإسلامي باللغة الشركسية. ومن مظاهر توفيقه بين الدين الإسلامي والأدغة خابزة هو استعاضته عمامة رجال الدين (اللفة) البيضاء المعروفة، بقلبق الرأس الشركسي مصنوعاً من الفرو الأبيض يقوم مقامها.

وكان الشيخ طاهرمن المنادين ببقاء الشركس على الحياد في اي صراع بين الفئات المختلفة في الجولان وسورية. لكنه ومع صعود نجمه في المجتمع الشركسي والعربي الجولاني وسعيه للتقريب بين كافة الشرائح، ظهرت أطراف مستفيدة من التفرقة، قاومته بشتى الوسائل والأساليب الكيدية. منها أن هؤلاء قاموا حتى بتعطيل بناء الجامع الممول من قبل خديوي مصر، بكتابة عريضة موقعة من عدد من البسطاء الأميين الذين لم يعرفوا مضمون العريضة، موجهة إلى الخديوي نفسه يتهمون فيها الشيخ طاهر بسرقة الأموال التي أرسلت لبناء الجامع. فما كان من حاكم مصر إلا أن أرسل لجنة تحقيق في الأمر. فاكتشفت اللجنة أن الأمر كيدي ولا أساس له من الصحة، وتبين لها أن الشيخ طاهر قد أنفق من ماله الخاص مبالغ لا يستهان بها لاستكمال بناء الجامع، إضافة إلى ما أرسله الخديوي، وبرأت الشيخ طاهر مما نسب إليه.. لكن هؤلاء لم يتراجعوا، فأرسلوا رسالة إلى الخديوي يرفضون فيها أية مساعدة أو تمويل (أجنبي؟؟) لاستكمال بناء الجامع، فأوقف الخديوي التمويل، وظل الجامع دون استكمال سنوات عديدة، حتى قام سكان القرية بالتعاون فيما بينهم واستكملوا بناءه بعد أمد ليس بالقصير.
كان طاهر تشتاو مشهوراً بأنه أشهر الرماة والهدافين بالبندقية في سورية. ويروى عنه في هذا الشأن، أنه كان مدعواً في أحد الأعراس الشركسية في مدينة القنيطرة، حين وصلت كتيبة فرنسية من الرماة المغاربة (من المغرب والجزائر خاصة) والفرنسيين إلى المدينة دعي أفرادها إلى الحفل. وكان الشركس منهمكين في مباراة رماية لإصابة الخيط الرابط للبيضة بعلم يرفرف فوق دار العريس. إذ جرت العادة (حتى أواخر خمسينات القرن العشرين) أن يرفع العلم الشركسي والسوري في يوم العرس في موضع عال فوق دار العريس. على أن تربط في نهاية العلم (في الزاوية الدنيا الخارجية من قماش العلم المستطيل) بيضة مسلوقة منسوج حولها جيب مطرز من قبل العروس أو فتاة غيرها، تربط بالعلم بخيط طوله نحو 15 سم. ويتبارى كل من يرى في نفسه القدرة والكفاء بالرماية، لقطع الخيط وإسقاط البيضة، من دون إصابة البيضة نفسها، أو ثقب قماش العلم. فطلب قائد الكتيبة الفرنسي من مدير حفل الزفاف المشاركة هو وجنوده الرماة في المباراة، فرحب الجمع بذلك، وكانت الريح قوية لاتهدأ، فلم يتمكن أحد من الضيوف ولاحتى من الشركس إصابة الخيط وقطعه.. فانبرى قائد الكتيبة المشهور بأنه رام مُجيد وحائزعلى أوسمة عديدة في الرماية في فرنسا و في الجيش الفرنسي، وأطلق عشر طلقات خائبة. فتعلل بأن الأمر مستحيل مع هبوب الريح القوية. فأجابه المضيف أن في الحفل شركسي يمكنه قطع الخيط، فتهكم القائد الفرنسي، وشدد على استحالة ذلك، فقدموا له الشيخ الأزهري طاهر تشتاو، وطلبوا منه تحدي الجميع بالرماية. فأعطاه القائد بندقيته فرفضها طاهر وأرسل من يأتيه ببندقيته الشخصية الألمانية الطويلة (المشهورة في سورية بأم كركر) من منزله. ألقم الشيخ طاهر بندقيته بطلقة واحدة فقط وصوبها نحو الهدف، وبقي فترة يتابع حركة الريح وتحرك العلم والخيط والبيضة ثم أطلق طلقته اليتيمة فقطع الخيط وأسقط بها البيضة سليمة. ذهل الفرنسيون وصفق له الشركس، وتلقى التهاني والتقدير من الحضور.
ولقد عُرف عنه رحمه الله أنه كان يذهب من القنيطرة إلى دمشق مع أخيه وحدهما، في زمن كان السير فيه على طريق القنيطرة- دمشق محفوفاً بأخطار مميتة. و كان فرسان الشركس لايسافرون فرادى، بل في مجموعات صغيرة. وكانت خطة سفر الأخين بسيطة تتلخص بأن يتقدم أحدهما الآخر ويكمن ويرصد المكان، وبخلوِه من قاطعي الطريق والمجرمين، يطلب من أخيه التقدم لمسافة تتجاوزه، فيكمن المتقدم ليتجاوزه الآخر وهكذا دواليك. وكان طاهروأخوه الأصغر، وهو من الرماة المجيدين أيضاً، يطبقان هذه الخطة في المناطق الخطرة وحين الضرورة.
غادر الشيخ طاهر الجويزة بعد أزمة الجامع إلى قرية البريقة الشركسية، حيث عاش فيها مدة قصيرة انتقل منها بعدها إلى مدينة القنيطرة. وأسهم في تأسيس المدرسة الشركسية وعمل أستاذاً فيها لمادة الديانة الإسلامية مدة 10 سنوات وكان له دور كبير في تقدمها وحضور مميز بين أساتذتها ومديرية المعارف (التربية). وعاش طاهر مع بقية المتنوربن الشركس وأساتذة المدرسة حرباً، انتهت بإغلاق أول مدرسة ابتدائية رسمية تدرس موادها باللغة الشركسية في بلاد الشام .
(يؤسفني عدم حصولي على تاريخ ولادة ووفاة هذه الشخصية الفذة ، لعل أحداً غيري يوفق إلى ذلك فيغني سيرته وبسد هذه الثغرة فيها ؟؟؟. ومع ذلك فلقد عاش الشيخ طاهر في الربع الأخير من القرن التاسع عشر وأواسط القرن العشرين ويصنف في قائمة الرواد الأوائل من المتنورين الشركس في الشتات العربي).

على إثر نشر هذا المقال و توجيه نداء لمن يعرف ولادة الشيخ طاهرووفاته، ورد التعليق التالي من حفيدته التي ذكرت أنه ولد في القفقاس، وتوفي سنة 1962 عن عمر يناهز القرن، وهذا يعني أن ولادته كانت بحدود سنة 1860 تقريباً. أرفق هذا التعليق بالمقال كوثيقة شاهدة على جزء من سيرة جدها، مع شكري لإغنائها الموضوع.

Dina Kataw · 11 mutual friends
ولد جدي الحاج طاهر تشتاو في القوقاز في سوخومي لانه كان دايما يصف بيت ابيه المشرف على البحر الاسود وكيف انه كان يوجد أمامه شجرة كستناء يقف تحتها عشرة من الفرسان الخيالة وليس في قرية الجويزة كما ذكرت وتوفي سنة ١٩٦٢ في بيته بالقنيطرة حيث كان وقتها شيخ جامع القنيطرة وقد عاش عدة سنين فوق المائة عام و كان في صحة جيدة الى اخر عمره رحمه الله

(يظهرالشيخ طاهر تشتاو في هذه الصورة معتمراً قلبقاً شركسياً أبيض، يقوم مقام العمامة الدينية البيضاء، واقفاً أمام تلاميذ المدرسة الشركسية في القنيطرة، وإلى يساره تقف الأستاذة شارلوت غوتوق معلمة اللغة الفرنسية وإلى يسارها أمين سمكوغ. في أحد مهرجانات المدرسة- من أرشيف فائز دير، ونشر فرانس دير – مع الشكر ).
عادل عبدالسلام (لاش) ، دمشق- شباط – 2016

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

A
Page Reader Press Enter to Read Page Content Out Loud Press Enter to Pause or Restart Reading Page Content Out Loud Press Enter to Stop Reading Page Content Out Loud Screen Reader Support