الثلاثاء , 10 أبريل 2018

د. عادل عبد السلام (لاش) : تهجير الشركس إلى سورية وتوطينهم في شريط الليمس الشركسي

خريطة أولية لتوزع التجمعات السكانية الشركسية في سورية بين سنة 1878 وسنة تهجيرهم من الجولان 1967.

د.عادل عبد السلام (لاش) – التاريخ السوري المعاصر 

كانت سنة 1878 السنة التي تدفقت فيها عشرات آلاف المهجَّرين الشركس على سورية الطبيعية، قادمين من كل من البلقان (بحراً وبراً)، ومن شبه جزيرة الأناضول (براً). وسبق ذلك تهجير أعداد منهم لا تتجاوز بضعة آلاف وصلت إلى شبه جزيرة الأناضول وسورية (بلاد الشام شريف). ولم يتوقف وصول أفواجهم، بل استمر حتى مطلع القرن العشرين، ولكن بأعداد كانت تتراجع تدريجياً. وكانت آخر موجة شركسية دخلت سورية هي مجموعة الهاربين من الجحيم الشيوعي والإرهاب الروسي والإبادة الستالينية الممارسة بحق الشركس وغيرهم من قوميات الإتحاد السوفييتي البائد، خاصة إبان الحرب العالمية الثانية. وكان عددهم لا يزيد على 251 شركسياً نجوا من الموت المحقق الذي حصد أكثر من 7000 شهيد من من بني جلدتهم من الهاربين من الاتحاد السوفييتي السابق، الذين سلمتهم القوات الانكليزية في وادي (دراو Drau) في النمسا وأوروبا للقوات الروسية التي أعدمتهم جميعاً ومثلت بجثامينهم. وكان وصول هؤلاء إلى سورية سنة 1948، حيث استشهد بعضهم دفاعاً عن الأرض العربية – الفلسطينية أثناء حرب الإنقــــــاذ 1947/1948، و في الحرب العربية-الإسرائيلية الأولى (1948). 

وصلت الأفواج الشركسية القادمة بحراً في سفن عثمانية وأوروبية سيئة ومنسقة من الخدمة، إلى موانئ اللاذقية وبيروت وحيفا وغيرها من موانئ أقل أهمية ، كما وصل قرابة 5.000 شركسي إلى مصر عن طريق ميناء الاسكندرية. وبعد إقامة قصيرة في مدن وقرى الساحل السوري/ اللبناني/ الفلسطيني، تم نقل أغلبهم باتجاه الداخل، مع بقاء عدد لا بأس به في موقعي عرب الملك شركس، وتل سوكاس جنوب مدينة جبلة. وفي حارة الشركس في جبلة نفسها، كما في أحد أحياء مدينة اللاذقية أيضاً قرب المقبرة المعروفة بمقبرة الشركس إلى اليوم. أما القادمون براً فقد وصلوا إلى المواقع المخصصة لهم من قبل السلطات العثمانية، سيراً على الأقدام، وبواسطة بعض عربات تجرها الثيران، ذات أربع عجلات أو بالعربات الشركسية ذات العجلتين المملوءتين، تحمل سقط متاعهم، والعاجزين عن السير. أما راكبو الخيول فكان أغلبهم من حراس قوافل المهجرين من شبان ورجال الشركس والجنود العثمانيين المرافقين لهم، والمكلفين بإيصالهم إلى مواطنهم الجديدة وحماية قوافلهم. وعلى الرغم من ذلك فلقد تعرضت هذه القوافل للاعتداءات، لا سيما من قبل البدو والعصابات الأرمنية والكردية، والريفيين المحليين. وكان المهجَّرون يتألفون من الرجال والنساء والأطفال والشيوخ والعجائز، ومن جميع فئات المجتمع الشركسي وطبقاته وتراتبياته الاجتماعية من الأسر الحاكمة من الأمراء والوجهاء، والأسر النبيلة، وأسر عامة الشعب وغيرهم، ومن جميع الشرائح الاقتصادية، مع غلبة المزارعين ومربي الحيوانات بينهم.
وعلى الرغم من افتقارنا إلى وثائق رسمية كافية، وعدم وجود سياسة عثمانية أو خطة مسبقة، وعدم وضوح تفاصيل عمليات توطين عشرات آلاف الشركس لدى السلطات العثمانية، وعدم رسمها لمخطط مدروس لاستقبال المهجرين الشركس المعدمين، فإن الاستراتيجية الأساسية العامة للخطط العثمانية، التي كانت على الرغم من ارتجاليتها في أغلبها، تقوم على الأسس التالية :
1- الاستفادة القصوى من القوة البشرية والقدرات الشركسية في مجال القتال والحروب وشجاعتهم المتهورة، نتيجة خبرات مواجهات الشركس وحروبهم ضد الروس والأوروبيين في البلقا ن، وتمرسهم في المعارك عقوداً طويلة طوال قرن ونيف… وذلك بالاستفادة منهم على الجبهتين العثمانيتين: المصرية، والشرقية – الفارسية في العراق، وعلى الجبهات العثمانية- الأوروبية في البلقان سابقاً. 
2- استغلال الخبرات والخصائص القتالية الشركسية هذه لحماية الريف السوري وسكان المناطق المعمورة، التي تشكل مصدر الغلال والضرائب الرئيسية للخزينة العثمانية، من غارات البدو وغزواتهم وتخريبهم الزرع والقرى الهامشية على سيف الصحراء السورية( البادية) المعروفة باسم (القرايا)، وفي البقاع الأخرى ذات الأهمية الاستراتيجية، المعرضة لأخطار البدو وغيرهم كما في الجولان. وعلى امتداد شريط مساير لخط سكة حديد الحجاز استانبول- المدينة المنورة,
3- و بناءً على ما تقدم تم توطين الشركس بالدرجة الأولى في تجمعات تقع على جانبي امتداد الشريط البيو- مناخي الفاصل بين المعمورة والبادية، الخالي من الأنهار والفقير بالينابيع و الأراضي الخصبة، وهو الشريط الذي تقل فيه الأمطار عن 250 ملم سنوياً، وهو الحد الأدنى الذي تستحيل عند حدوده الشرقية الزراعات البعلية. 
ويمكن تشبيه هذا التوضع الديموغرافي للقرى الشركسية بانتشار الحصون الرومانية قبل ألفي عام على امتداد الخط المعروف بخط (الليمس الروماني) الذي يكاد يتفق في خطوطه العامة بشريط (ليمس القرى الشركسية). التي يدعوها الألمان بـ ( قرى الحماية أو الدفاع الشركسية).
4- أما في الأناضول فلقد تم توطين المهجرين الشركس وبكثافة على امتداد شريط ديموغرافي يبدأ من ساحل البحر الأسود في الشمال، ويتجه جنوباً ليتصل بالشريط البيو- مناخي المذكور في سورية، وذلك بهدف الفصل بين السكان الأكراد والأرمن في الأناضول الشرقي من جهة، والسكان الأتراك وحمايتهم في الأناضول الغربي بهذا الشريط البشري من جهة ثانية. 
وعلى هدي هذه الخطوط العريضة لسياسة التوطين تم نقل الشركس إلى هوامش المعمورة في سورية، ومُنحوا أرضاً ومساعدات بسيطة تمثلت ببعض رؤوس الأبقار والثيران للعمل الزراعي وبعض المؤن وغيرها من وسائل عيش مؤقتة تكاد لاتسد رمقهم. ومع ذلك حرصت السلطات العثمانية على توطين الشركس في الأراضي غير المملوكة لأحد، وتدخل في زمرة الأراضي (الأميرية) التابعة للدولة والسلطان وأغلبها غير صالح للزراعة. (تعود ملكية بعضها لورثة بعض سلاطين مصر والشام الشركس ). لتجنبهم اية إشكالات حقوق ملكية قانونية في المستقبل.
و تشذ تجمعات الشركس في الجولان الصخري الأرض ولكن الرطب في الداخل البعيد عن شريط أمطار 250 ملم، عن المبدأ المذكور، ويبدو أن العثمانيين توخوا بذلك إقامة حاجز بشري يقف في وجه قرى الموحدين في جبل الشيخ المطل على الجولان، والتي جاء سكانها من لبنان بعد معركة عين داراسنة 1711، وبعد أحداث مذابح لبنان ودمشق سنة 1860. وفي وجه البدو الرحل فيه.
لكن المشكلة الكبيرة التي واجهت الشركس في أغلب التجمعات التي استقروا فيها، تمثلت بانعدام مصادر مياه الشرب لهم ولحيواناتهم وضعف إنتاجية التربة. إذ اضطروا لجلبها من أماكن بعيدة عن قراهم في البداية، إلى أن تمكنوا من الوصول إلى المياه الجوفية بحفر الآبار، وتنظيف بعض الينابيع والعيون الصغيرة والقنوات الرومانية القديمة، ثم بدخول المضخات اليدوية إلى سورية فيما بعد. باستثناء منطقة الجولان السوري المطيرة، التي كانت مرتعاً لقبائل بدوية رعوية. وكانت التجمعات الشركسية فيها بداية إعادة إعمارها مجدداً بعد هجرها منذ أواخر العهد البيزنطي في القرن السادس ومطلع القرن السابع الميلاديين. وكذلك بعض قرى حوض نهر العاصي. الذي وفر المياه لسكانها.

مواطن الشركس في سورية بين 1878 و1967:

تقسم الأماكن التي استوطنها الشركس في بداية توطنهم في سورية إلى ما يلي:
1- قرى سكانها كلهم شركس. 2- أحياء في مدن وقرى سورية، يشكل الشركس فيها أقلية. 3- أسر شركسية قليلة مبعثرة في المدن والقصبات، استقرت فيها بحكم الوظيفة أوطلب العلم أوالعمل في مؤسسات حكومية ورسمية وغيرها.
تضم المجموعة الأولى النسبة الكبرى من الشركس، وتتألف من قرى: منبج، وخناصر، وريحانية، ويني شهر، وبدركة، ورأس العين، والسفح، والمجيبرة، والطويلة في محافظات الشمال ( لواء اسكندرونة، ومحافظتي حلب والحسكة). ثم قرى : عسيلة، وأبوهمامة، ومريج الدر، وتل سنان، ودير فول، وجصين، وتل عدا، وتلعمري، وعين زات (عين النسر)، وتليل، وفي جوسية الخراب في وسط سورية ( محافظتي حماة وحمص). ثم قرى مرج السلطان، وبلي، وبويضان وبراق وأم العمد في محافظتي ريف دمشق ودرعا. يلي ذلك أكبر تجمع للشركس في سورية، في منطقة الجولان (محافظة القنيطرة)، حيث استوطن الشركس موقع مدينة القنيطرة وأعمروها، وقرى : المنصورة، وعين زيوان، والمومسية، والجويزة، والخشنية، والفحام، والفرج،والفزارة، والمدارية، والصرمان ( السلمنية)، ورويحينة، وبير العجم، والبريقة. وكذلك في تل سوكاس، وعرب الملك شركس، المقابلة لعرب الملك بدو على الساحل السوري وبذا وصل عدد التجمعات الشركسية إلى40 قرية ومدينة واحدة. وجميع سكانها من الشركس (الأديـــــغة) الصرف، عدا راس العين والسفح ومزارعها (شيشان)، ودير فول وجصين ( مزيج من قوميات داغستانية). كما أن سكان الفحام والفرج والفزارة خليط من الأديغة والأستين، وسكان بويضان وبراق مزيج من الأديغة والقرشاي-البلقار والعرب.
و بإضافة المزارع التي تمتلكها بعض الأسر الشركسية في الجولان ( عزالدين، والفاخورة، والدردارة)، وفي منطقة رأس العين ( مزارع تل الرمان، والأبرط، وتل جاموس، مساجد،العريشة، أبو حجر، الداوية )، يرتفع الرقم إلى 50 موقعاً.

كما شمل استيطانهم عدداً من المواقع في لبنان الذي كان جزءاً من سورية قبل الانتداب الفرنسي، في بيروت وجوارها وفي قريتي برقايل ومزرعتها بين طرابلس وسير الضنية و في بعض قرى البقاع الشمالي وفي قرية جوسية الخراب على الحدود السورية- اللبنانية الحالية. لكن أعدادهم كانت قليلة في لبنان. 
وتضم المجموعة الثانية عدداً من المدن والبلدات والقرى السورية هي: جبلة، واللاذقية، وحمص، ودمشق، والرقة، وعندان، وعين دقنة، التي استوطنت في أحياء منها أسر شركسية يراوح عددها بين بضع عشرات وبضع مئات الأسر، كما في حي المهاجرين في دمشق، وحي جورة الشياح والوعر فيما بعد في حمص، وحي الشركس في الرقة، وجسر الشغوروغيرها. 
أما المجموعة الثالثة فتتألف من أسرة واحدة أو أكثر استوطن أفرادها في مدينة أو بلدة ما بحكم الوظيفة أو الدراسة أو العمل وخلافه. كما في حماة والقامشلي ودير الزور وإدلب وسلقين وطرطوس والنبك وقطنا ودرعا وغيرها.
ولم يقتصر توطين الشركس في العهد العثماني في سورية الطبيعية على ما عرف فيما بعد بالجمهورية السورية، بل تم توطينهم في شرق الأردن ( المملكة الأردنية فيما بعد)، في عمان ومنطقتها على امتداد محور شمالي-شرقي، جنوبي- غربي ، وفي فلسطين في منطقة الجليل وطبريا، وفي العراق أيضا في وادي نهر الزاب الأعلى ومنطقة زاخو. وفي أرباض بغداد والموصل وكركوك.
ولقد عانى شركس سورية والعراق من أحداث الصراع العربي- الإسرائيلي وبصورة خاصة سنة 1968 وحربها التي تسببت بتهجير أكبر كتلة بشرية شركسية في بلاد الشام، من الجولان، حيث تشتت أفرادها في أماكن متفرقة في الداخل السوري، كما هاجرت مجموعات منهم إلى الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها. لكن لعنة التهجير لم ترحم الشركس مرة أخرى، حتى لاحقتهم أحداث سورية المأساوية التي شردت ومنذ 2011 الآلاف منهم من قراهم مثل مرج السلطان وخناصر وقرى الحدود الجولانية وغيرها من قرى دمرت ونهبت بيوتها، وأصبح أهلوها لاجئين في سورية وشركسيا، والأقطار الأوروبية وغيرها.

أما أعداد الذين دخلوا الأرض السورية وبلاد الرافدين في العهد العثماني فلم تتجاوز 35000-40000 شركسياً في سورية، و25000-30000 شركسياً في الأردن، ونحو 3000 في لبنان، وقرابة 2500 في فلسطين، و18000-25000 شركسياً في العراق، أي بمجموع يراوح بين 84000 و101000 شركسياً. 
ويبلغ عدد شراكسة سورية وحدها اليوم قرابة 140.000- 150.000نسمة (لسنة 2017) بعد هجرة نحو 10.000- 15.000شركسيا من سورية هرباً من ويلات الحرب السورية التي بدأت سنة 2011 ولم تضع أوزارها بعد.

عادل عبد السلام (لاش) 
دمشق في 28 – 1 – 2018

 

خريطة لجزء كبير من تركيا تبين انتشار القرى الشركسية في وسطها على امتداد شريط شمالي/ جنوبي يمتد من البحر الأسود شمالاً إلى سورية جنوبا ويكمل شريط الليمس الشركسي في سورية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

A
Page Reader Press Enter to Read Page Content Out Loud Press Enter to Pause or Restart Reading Page Content Out Loud Press Enter to Stop Reading Page Content Out Loud Screen Reader Support