الخميس , 24 مايو 2018

كتاب فخري البارودي إلى المفوض السامي الفرنسي

 سيدي الجنرال ويغاند[1] المحترم:
    أكتب إليك هذا الكتاب من منفاي الاختياري، وأنا أمين أنه سيقع منك موقع القبول، لأنك رجل عالم عاقل. فأرجوك أن تدقق في كتابي وتتفهمه وإن كان طويلاً.
يا سيدي:
    إني غادرت دمشق فراراً من تهمة اتهموني بها. وإني أقسم لك بشرفي ووطني أن القضية التي اتهمت بها مفتعلة، وليس لها أصل بتاتاً. ولا تظن من كتابي هذا أني أريد الرجوع إلى بلدي وأني أتيت به لتبرئة نفسي أمامك، كلا! فأنا يا سيدي الجنرال لا أعود إلى بلدي مادام الحر مضطهداً فيها، والسلطة تكيد للوطنيين الصادقين.
    إني الآن في أمان الله. ولكن هناك رجلين من خدمي، أحدهما يدعى حسن بن بكري خيتي، والثاني اسمه محمود، وهما من أهالي دوما، للأول عائلة مركبة من ثماني أشخاص، والثاني من أربعة أشخاص، طرحا بالسجن ظلماً وعدواناً وحكم على كل منهما عامين، بدعوى وجود سلاح حربي في كاراج داري في قرية الجرباء التابعة لقضاء دوما.
    هذه القضية يا سيدي لم يكن المقصود منها الحكم على خدمي، بل كنت أنا المقصود بالذات. وإذا أجريت تحقيقاً دقيقاً نزيهاً يمكنك معرفة الحقيقة بتمامها. ولهذا أرجوك يا سيدي أن تحضر المخبر والخادمة الطباخة التي رأت بعينها الجنود الذين وضعوا السلاح، فتسمع شهادة الطباخة، وتجبر المخبر ليصدقك القول، عندها يمكنك أن تعرف أن القضية مفتعلة من أساسها. وبعد ذلك أطلب إجراء العدل، وإلغاء الحكم الصادر بحق هؤلاء المساكين، عن الجريمة الملصقة بهما لأنهما بريئان.
    وأزيد على ذلك أنني لست بالغر لأضع سلاحاً حربياً في داري، وأنا من خصوم الوضع الحاضر. وأعرف قوة فرنسة والتحشيدات التي كانت تقوم فيها في سورية، في وقت تجهمت فيه الحوادث، واستلمت فيه السلطة جميع الصلاحيات وسلبت الأمة جميع ما كان بيدها من الحقوق، في حين أن وضع هذه البنادق العديمة الفائدة ليس فيه أقل نفع لي أو للبلاد. وكانت الحرب على الأبواب ونحن في أَعف حالاتنا وأنتم في أقوى قوتكم.
    فإذا كنت أعرف هذا، وأعرف أن وجود مثل هذا السلاح في داري سيعرضني للشقاء والدمار، فلابد أنكم متأكدون من أني لا أقدم على مثل هذا العمل الخطير. وأن القضية مفتعلة من أصلها، وقد ذهب ضحيتها هذان المسكينان.
    فإذا عفوت فلك الأجر، وإذا كنت لا تنال أجرك عاجلاً فلابد من أن تلقاه بآخرتك أجلاً ما دمت ممن يؤمنون بالله.
يا سيدي الجنرال!
أنا لا يهمني تصريحات رجال سورية من وطنيين أو رجعيين، في الجرائد أو الإذاعات، وتأييدهم للديمقراطيات وحكوماتها مادامت أعمال السلطة في سورية كما نرى، والسجون ملأى بالأحرار المظلومين وهذه الأحكام الجائرة التي لم نسمع بمثلها.
    هذا غاندي، أقام الهند فيما مضى وأقعدها على الحكومة الإنكليزية. فكانت نتيجة محاكمته أنه حكم بست سنوات، قضى بعضها في السجن، وأعفي من الباقي.
    أما الحكم على شبابنا ورجالنا بخمسة عشر عاماً، ومثلها نفياً بعد الحبس من غير أن يتمكن المتهم من الدفاع عن نفسه بتوكيل محام في عصر تتبجح به الدول الديمقراطية بالعدل والحرية، فتأييد رجالنا لها هو من قبيل النفاق بل هو النفاق نفسه.
    ولذلك فإني أؤكد لكم أن هذه التصريحات هي صادرة عن الألسنة، لا عن القلوب، إما عن رهبة. وهذا ليس له من الأهمية شئ.
    إن الحكومات الديمقراطية لم تصل إلى قلوب العرب، وعلى الأخص السوريين منهم فتكسبها. إن حكوماتكم بعدما عاهدتنا نكلت، وبعدها أمضت المعاهدة وملاحقها عادت واسترجعت ما أعطت. لذلك فكل تصريح بتأييدكم هو كذب ونفاق والشعب السوري الذي هو في مقدمة الشعوب العربية لا يركن إليكم، بعدما حارب في صفوفكم في الحرب العامة، ورأى نتيجة مناصرتكم والاعتماد عليكم.
    إن زهالي سورية في الحرب العامة كفَّروا أحد أركان النهضة العربية بل أبوها، المرحوم جلالة الملك حسين بن علي، بالفتاوى التي أفتوها. وجردوه من الوطنية- سواء بالخطابة أو بالجرائد على اختلاف أنواعها- خوفاً من قوة جمال باشا وبطشه. ولكن عندما زالت قوة الأتراك من فوق رؤوس العرب ظهروا على حقيقتهم، ورأيتم بعدها موقفهم من الأتراك بجانب الحسين بن علي. مع أن الأتراك أبناء دينهم قضوا معهم عصوراً في حكومة واحدة.
    أنا لا أقول إن نتيجة تلك الحرب كانت لصالحنا، رغم انتصارنا مع الحلفاء، ولكنني أقول: إن الروح التي سرت في الأمة العربية لا يمكن أن تموت بعد اليوم. والقوة مهما فعلت في أمة ضعيفة كأمتنا، فلابد من يوم تزول أو تضعف فيه هذه القوة، عندها يكون رد الفعل عظيماً بل أعظم من القوة التي كانت ترهق الأمة وتسلبها حقها.
    فإذا أردتم أن تكون الأمة العربية في جانبكم حقيقة، وتصريحات رجالها صادرة عن قلوبهم، فما عليكم إلا أن تعطوا سورية مطالبها وأنتم في أوج قوتكم وهي في شدة ضعفها، فتجدوا من هذا الشعب الذكي أنصاراً يعاضدهم جميع العر. يمكنهم أن يساعدوكم في المستقبل والحال،مساعدات لا يستهان بها إذا عرفتم كيف تعلمونهم وتدربونهم وتقودونهم.
    ولا يغرنكم تفسخ الأحزاب وتضارب رجال سورية، والدور الذي جرى في السنة الماضية. فهذا لعبة سلكت على الشعب،وتأثيرها مؤقت. وإذا تحطم بعض زعماء اليوم ففي الشبيبة الآتية خير إن شاء الله. ومادامت النساء تحمل وتضع، فالبلاد لا تترك حقوقها. وأحسن فرصة لاستجلاب قلوب السوريين هو إعادة المعاهدة بلا ملاحق في هذا اليوم وأنتم في قوتكم. وإذا فعلتم هذا فلا يوجد أحد في الناس يقول: إنكم أعطيتم ذلك مرغمين عن ضعف.
    هذا ما أردت أن أقوله، ذكرته لكم بكل حرية وإخلاص. وأرجو الله أن يلهمكم إلى ما فيه خير العرب والإنسانية ويلقي الرحمة في قلبكم للعفو عن هذين المسجونين خاصة، وبقية المساجين من أحرار سورية والعرب عامة. وتفضلوا بقبول احترامات المخلص لوطنه.

شونة عمَّان في التاسع عشر من كانون الثاني 1940 
                                                                       فخري البارودي
 المصدر: أوراق ومذكرات فخري البارودي، 1887-1966، إعداد دعد الحكيم، منشورات وزارة الثقافة، دمشق 1999م.

[1] ذكر في المصدر اسم المفوض السامي ويغاند، وهناك احتمال ان تكون الرسالة الى ضابط فرنسي كبير وليس الى المندوب السامي، لأن المندوب السامي المفوض في تلك الفترة لم يكن ويغاند بل كان غابرييل بوه.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

A
Page Reader Press Enter to Read Page Content Out Loud Press Enter to Pause or Restart Reading Page Content Out Loud Press Enter to Stop Reading Page Content Out Loud Screen Reader Support