قراءة في كتاب

سورية 1941 الحرب المخفية بين أنصار فيشي ضد أنصار ديغول

هنري دو ديللي

  •   
  •   
  •   

يعمل هنري دو ويللي أستاذا محاضرا في المدرسة العسكرية الأكثر شهرة في فرنسا «سان سير» وكذلك في مدرسة كلية الأركان. وهو أخصائي في التاريخ الفرنسي المعاصر. سبق له ونشر كتابا عن الحرب العالمية الثانية تحت عنوان: «1940، الانهيار».

هذا الكتاب الجديد هو أيضا عن الحرب العالمية الثانية، ولكن عام 1941 وفي سوريا بالتحديد، إنه يعود إلى شهر يونيو ـ حزيران 1941 حيث كانت الحرب العالمية على أوجها، وكان الجنود النازيون يخوضون حربا ضروسا على بوابات الاتحاد السوفييتي (السابق).سورية 1941 الحرب المخفية بين أنصار فيشي ضد أنصار ديغول

في ذلك الشهر تعرّضت وحدات من الجيش النظامي الفرنسي، كانت موجودة في سوريا، للهجوم من قبل القوات الفرنسية ـ البريطانية التي كانت تتواجد في الشرق الأوسط. هكذا ولمدة خمسة أسابيع كاملة كان حلفاء الأمس يخوضون المعارك صباح اليوم التالي.

ويعيد المؤلف ذلك إلى «مبادرة مشتركة» اتخذها الجنرال شارل ديغول مع رئيس وزراء بريطانيا ونستون تشرشل، ووصلت خسائر الحلفاء فيها إلى 000 10 مقاتل و600 طائرة وعدة سفن حربية. ويؤكد المؤلف أن كلا من بريطانيا وفرنسا فعلتا كل ما في وسعهما من أجل «طمس» ذكرى تلك المعارك الدامية، ولذلك قرر «أن يفتح هذا الملف».

هذا كتاب عن فترة الحرب العالمية إذن من خلال إحدى صفحاتها التي عرفتها منطقة الشرق الأوسط عامة، وسوريا خاصة. وهو أيضا بنفس الوقت كتاب عن تاريخ المنطقة كلها. إن المؤلف يعود إلى سنوات الستينات في القرن التاسع عشر حيث كانت سلطة السلطان العثماني بدأت تتضاءل أكثر فأكثر على مقاطعات الإمبراطورية المترامية الأطراف.

هذا لاسيما وأن مسيرة انحلالها كانت قد بدأت منذ تدمير أسطولها في موقعة نافارين عام 1827. ومع تراخي سلطة التاج العثماني «انفتحت شهية» القوى الغربية وعلى رأسها فرنسا وانجلترا. وكانت مصر في مقدمة البلدان التي فلتت من سلطتها، وكانت الجزائر قد غدت مستعمرة فرنسية وكانت تونس تعاني من درجة عالية من التخريب، أما ليبيا ومنطقة الجزيرة العربية فقد كانتا تعانيان من حالة من الجمود استمرت قرون طويلة.

في الوقت نفسه كانت الإدارة في الإمبراطورية العثمانية تقتصر على جانب جبي الضرائب تقريبا، لاسيما فيما يخص الولايات البعيدة قليلا عن المركز وكان الجيش العثماني «انكشاريا» ويعاني من حالة متقدمة من التخلف بينما كانت حركة النهضة قد بدأت في القارة الأوروبية على مختلف الأصعدة.

ويؤكد المؤلف في هذا السياق على أن سلطة الباب العالي العثماني لم تستمر آنذاك سوى بفضل «لعبة دبلوماسية» بين الأمم الأخرى التي كانت تطمع في ذلك «الرجل المريض»، كما أطلقوا آنذاك على الإمبراطورية العثمانية.

وبالتالي كانت تراقب بعضها البعض الآخر. وتضع كل منها مخططاتها الخاصة لفترة ما بعد سقوط البناء العثماني، كي تستأثر بهذا الجزء أو ذاك من الإرث. كانت منطقة الشرق الأوسط هي إحدى المناطق التي حرصت السلطة العثمانية على إبقائها تحت سيطرتها المحكمة

حيث كان «الباشوات» يمارسون ضغوطا كبيرة على السكان عبر فرائض الضرائب أكثر فأكثر. وكانت تلك المنطقة تتميز بوجود تنوع اتني وعقائدي كبير مما أثار توترات أدت عام 1860 إلى حرب أهلية في لبنان. فقررت خمس أمم أوروبية على إثر ذلك تكليف فرنسا بإرسال قوات بمهمة الفصل بين المتقاتلين تحت قيادة الجنرال «هوتبول».

كان القتال قد توقف عندما وصلت القوات الفرنسية وعاد النظام. لكن انجلترا كانت مستاءة تماما من تثبيت النفوذ الفرنسي. مع ذلك زاد ذلك النفوذ مع توافد أعداد من رجال الكنيسة الفرنسية إلى لبنان. لكن فرنسا وانجلترااتفقتا على تقاسم مناطق النفوذ تبعا للمعاهدة الشهيرة باسم «سايكس، بيكو».

ووقعت سوريا ولبنان حسبها تحت الانتداب الفرنسي. لكن فرنسا لم تقم أبدا بما كان مرجوا منها على مختلف الأصعدة. وفي المحصلة يقول المؤلف: «كانت خيبة الأمل كبيرة في دمشق وفهم السوريون أن فرنسا لن تفعل أي شيء لهم وأنها ليست أكثر من قوة احتلال وأن وعودها لا قيمة لها في الواقع.

وفي عام 1939 قامت الحرب العالمية الثانية، لتكون سوريا إحدى مسارحها. فيما بعد، هاجم الألمان بولندا في الأول من شهر سبتمبر من تلك السنة. وفي الثالث منه توجّه الجنرال «ويغاند» إلى أنقرة للتشاور مع الأتراك من أجل إمكانية استخدام مجينة «سميرنه» كمحطة بين فرنسا والمشرق.

وتمّ الاتفاق على ذلك. وانطرحت في البداية فكرة شن هجومات على مصادر البترول السوفييتية في القوقاز انطلاقا من تركيا وسوريا. وقد جاء في إحدى الدراسات: «إن تدخل الحلفاء ضد مصادر البترول في القوقاز يحرم ألمانيا والاتحاد السوفييتي منها»، وفي الحالتين تكون النتيجة جيدة بالنسبة للحلفاء، إذا توصلوا إلى حرمان ألمانيا أو إلى حرمان السوفييت من هذه المادة الأولية التي لا بد منها لاقتصادهم.

ثم إن «توجيه ضربة للصناعة البترولية في القوقاز قد يمثل ضربة خطيرة هذا إذا لم تكن قاضية للتنظيم العسكري والاقتصادي السوفييتي. وقد يؤدي ذلك إلى انهيار كامل للاتحاد السوفييتي». كان السوفييت موضع حذر من قبل معسكر الحلفاء حتى آنذاك.

في شهر يونيو 1940 تلقى جميع ممثلي فرنسا في مختلف الأصقاع التي كانت تتواجد فيها قوات فرنسية نداءً شخصيا من الجنرال شارل ديغول يدعوهم فيه إلى المقاومة. بعد أن كان قد أطلق يوم 18 من ذلك الشهر نداءه الشهير من إذاعة لندن للشروع بمقاومة النازيين المحتلين.

بالمقابل كان على حكومة فيشي التي تعاونت مع أولئك المحتلين أن تقوم بحماية «أراضيها» أينما كانت ضد أي اعتداء خارجي، تنفيذا لبنود الهدنة. كان ذلك المنظور يعني أن الحرب الألمانية ـ الفرنسية تعني عمليا صدامات فرنسية ـ فرنسية بين مؤيدي الجنرال ديغول ومؤيدي حكومة فيشي.

لم يتردد الجنرال ديغول في اتهام فيشي بالخيانة. ومن جهتها أصدرت حكومة فيشي على الجنرال حكما بالسجن لمدة أربع سنوات. واتهمته أيضا بالمقابل «بالخيانة وبتهديد أمن الدولة والهرب إلى الخارج وبالتحريض على العصيان وعدم الطاعة، وبالتالي جرى رفع الحكم عليه إلى عقوبة الإعدام».

لقد بدا الجنرال آنذاك وكأنه «يشن الحرب على فيشي أكثر مما يشنّها على برلين»، كما ينقل المؤلف عن الفيلسوف ريمون آرون. بكل الحالات كان الجنرال واضحا تماما عندما قال «الفرنسيون الأحرار يشكلون من الآن فصاعدا المرجعية الوحيدة للوطن. فرنسا هي نحن» ثم أضاف «فرنسا هي أنا»، كما كان قد قال ذات يوم مع لويس الرابع عشر. وهناك أمر واضح آخر هو أن الجنرال كان «يحذر من الانجليز ».

بدا أن هناك خلافات ترتسم في الأفق بين الانجليز وممثلي فرنسا الحرة في المشرق. وإن انجلترا «تتابع السعي لتحقيق هيمنتها على مناطق الانتداب الفرنسي». هكذا كتب الجنرال الفرنسي «كاترو» في شهر ديسمبر عام 1940 للجنرال ديغول يقول: «سوريا هي ثمرة مرّة المذاق ولا تريد أن تنضج. وأخشى أن لا نستطيع الحصول عليها سوى بالقوة».

ثم يقول في رسالة أخرى تعود لعام 1941: «إن تيارا من الحقد ضد كل ما هو فرنسي يتطور وينتشر وزادت منه حماقات وعدم كفاءة سلطات الانتداب . إن رغبة السوريين الحقيقية هي التحرر نهائيا من الوصاية الفرنسية، أكانت وصاية فيشي أو فرنسا الحرّة.

والحد الأدنى الذي يطالب به الوطنيون هو الاستقلال الشامل ورفع كل أشكال السيطرة وجلاء جميع الفرنسيين ومقابل هذا كله قد يقبلون عقد اتفاقية تحالف غير واضحة المعالم حتى الآن». حاول الانجليز، كما يشير مؤلف هذا الكتاب، أن يحابوا حكومة فيشي وفرنسا الحرة في الوقت نفسه.

ولكن في شهر مايو 1941 قام القنصل الانجليزي العام في بيروت تسليم مذكرة رسمية إلى المبعوث السامي لفرنسا «فيشي» صادرة عن صاحبة الجلالة. ومفادها أنها تعبر السماح بهبوط الطائرات الألمانية في سوريا خرقا لاتفاقيات الهدنة وعملا ينافي التزاماتها. وبالتالي تعتبرها مسؤولة عن ذلك الوضع.

وفي الأول من شهر يوليو 1940 كان البريطاني ونستون تشرشل والفرنسي شارل ديغول قد عقدا اتفاقا ينص على «قيام الجنرال بتشكيل قوة فرنسية من المتطوعين بحيث تضم وحدات بحرية وبرية وجوية وعناصر تقنية وعلمية، بهدف محاربة الأعداء المشتركين. ولا يمكنها أبدا أن تشهر السلاح ضد فرنسا». لكن لم يكن معروفا آنذاك أن الجنرال لا يعتبر أن حكومة فيشي والمارشال بيتان هما فرنسا.

وفي الثامن من شهر يونيو 1941 قامت قوات بريطانية ـ فرنسية باختراق الحدود السورية من جهة الأردن كي تقاتل قوات فرنسية نظامية كانت متواجدة على الأراضي السورية وحيث كان الألمان قد حصلوا على تسهيلات تبعا لاتفاقية الهدنة الموقعة بين النظام النازي وحكومة فيشي. حاول المهاجمون عبر مختلف الوسائل تجنب الحرب.

وقد أطلق الجنرال كاترو الفرنسي قائد الهجوم نداءً للجنود في الطرق الآخر قال فيه: «أيها الضباط وصف الضباط من جنود المشرق. أيها الطيارون، أيها المغاربة والجزائريون والتونسيون والسنغاليون، يا رفاقنا في السلاح، باسم ضميركم وباسم فرنسا وباسم شرفكم أوجه لكم هذا النداء.

إن القوات الفرنسية الحرّة وقوات الحلفاء ستجتاز الحدود. إنها لم تأت لقتالكم وإنما لمهاجمة العدو واسترجاع المواقع التي سلمها له اتفاق مخل بالشرف. فلا تحاربوا لصالح ألمانيا ولا تجعلوا من أجسادكم مصدّا لطياري العدو المقيمين في رياف وحلب وتدمر..». مع ذلك كانت الحرب التي قُتل فيها أكثر من عشرة آلاف مقاتل. وكتاب عن درس يستحق القراءة والتعمق اليوم… وغدا.

*الكتاب:سوريا عام 1941 الحرب المخفيّة. أنصار فيشي ضد أنصار ديغول

*الناشر:بيران ـ باريس 2006

*الصفحات :505 صفحة من القطع الكبير

La syrie 1941, la guerre occultée. Vichystes contre Gaullistes

Perrin – Paris 2006

P.505

المصدر
صحيفة البيان الإماراتية 16 تموز 2007
الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق