مقالات

إنقلاب حسني الزعيم.. كارثة الشرق الأوسط الكبرى

رعد أطلي - جيرون

  •   
  •   
  •   

“اعتقلت إحدى وحدات الجيش رئيسَ الجمهورية، ووحدة أخرى رئيسَ الوزراء، الثالثة تولت السيطرة على إذاعة دمشق، والرابعة على قيادة الشرطة، والخامسة على مركز الهجانة، والسادسة على مبنى البريد”. هذا ما كتبه -بحالة ملؤها الفخر- عميلُ وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية: مايلز كوبلاند، في كتابه (لعبة الأمم)، حول وصفه لأول عملية انقلاب عسكري في سورية، وفي الشرق الأوسط عمومًا، وقد حدثت في ليلة الثلاثين من آذار/ مارس عام 1949، بعد أن تم تمويلها من قبل الولايات المتحدة، لتأتي بالجنرال حسني الزعيم قائد الجيش السوري، رئيسًا على الدولة. لم يرَ الأميركيون في حسني الزعيم صفات مميزة، سوى أنه كان منصاعًا، وقابلًا لتنفيذ المصالح الأميركية، وقد بينت بعض الوثائق التي سمحت بنشرها للعموم وكالة الاستخبارات، رأي الأميركيين بحسني الزعيم، حيث وصفته بـ “نموذج الديكتاتور كما في جمهوريات الموز”، وأنه “أحمق بشكل تام، ولا يمتلك فَهم عريفٍ في القوات الفرنسية”، إلا أنهم رأوا فيه، حسب الوثائق، “معاديًا بشكل واضح للسوفييت، وليس لديه أي مشكلة مع تمديد خطوط النفط”.

لم يكن الانقلاب العسكري حالة مفاجئة للنخبة السياسية السورية، حيث جرت عدة مداخلات من قبل النواب تحت قبة البرلمان، تعترض على تدخل الجيش في الحياة السياسية، بسبب استخدامه في قمع الحراك الشعبي، في نهايات 1948 وبدايات 1949، ومنها مداخلة النائب عن حزب الشعب أحمد قنبر الذي لمّح في مداخلته باستخدام الحكومة الجيشَ أداة في مواجهة المعارضة، وفي جلسة ثانية، في إثر رمي قنبلة على بيت فيصل العسلي رئيس الحزب التعاوني الاشتراكي، اتهم الأخير القائدَ العام للجيش والقوات المسلحة بهذه العملية، لما بينهما من عداء معروف حينئذ، وقام العديد من النواب في المداخلة على تلك الحادثة، منهم فيصل العسلي، ورشدي كيخيا عن (حزب الشعب)، وأكرم الحوراني عن (حزب الشباب) وغيرهم، وحذر النواب الحكومةَ من مغبة استخدام الجيش، ومن أن ذلك سيكون وبالًا على الجميع.

في تلك الأثناء، كانت سورية تتعرض لضغوطات كبيرة، من أجل تمرير خط نفط (التابلاين) الأميركي الذي يوصل النفط السعودي إلى سواحل البحر المتوسط، إضافة إلى ضغوط أخرى، من أجل توقيع معاهدة نقدية مع فرنسا تخضع الاقتصاد السوري بشكل كولونيالي للحكومة الفرنسية، إضافة إلى الضغوط التي تدفع إلى توقيع هدنة مع الإسرائيليين، على غرار الهدن الموقعة مع باقي الدول العربية، ورفضت الحكومة ذلك لما كانت تعانيه أيضًا من ضغوط شعبية معاكسة، ترفض كل ذلك، وتملأ الشوارع بالتظاهرات، كما أن الأكثرية البرلمانية رفضت تمرير تلك القرارات، وبعد تدخل الجيش في قمع التظاهرات، ومن ثم توقيع الهدنة مع الإسرائيليين؛ بدأت حالة من اليأس تسود المناخ العام، حتى باتت جلسات البرلمان تخلو من أي نقاشات جدية، حسب ما ذكره أكرم الحوراني في مذكراته، وباتت الحالة الشعبية تنتظر تغيرًا ما، يخفف من وطأة ذلك اليأس، فجاء انقلاب حسني الزعيم الذي لاقى ترحيبًا شعبيًا مفهومًا في نطاق التعاطف مع الجيش الذي دخل في حرب النكبة من دون أي استعداد لها، على الرغم من توقعها منذ عام 1946، ولحالة الفساد التي تفشت في مؤسسات الدولة حينذاك، ولكن كانت المشكلة في النخب التي شكلت المعارضة السياسية، حيث إنها لم تأبه بأن التغيير جاء بطريقة غير دستورية أو شرعية، على ظهر الدبابة، بل طبّلت للانقلاب وناصرته تمامًا، كما حدث في مصر في أثناء انقلاب عبد الفتاح السيسي، فلاقى الانقلاب ترحيبًا وشكرًا من الأحزاب الرئيسية، مثل (حزب الشعب) و(حزب الشباب)، وقاد (حزب البعث العربي)، و(الإخوان المسلمون) تظاهرات مؤيدة للانقلاب، وخطب قادة من الحزبين في المسجد الأموي وغيره، مناصرة له، حيث كانت المعارضة السياسية لا ترى غضاضة في مناصرة الانقلاب، على ما فيه من خرق واضح للدستور. لكن في الوقت نفسه، كان هناك عزوف عن المشاركة في حكومة، يعيّنها الزعيم وليست برلمانية، وقد سجل (ستيفن ميد) عميل الاستخبارات الأميركي الموفد مع زميله كوبلاند، للتخطيط للانقلاب في 15 نيسان/ أبريل، حسب وثائق من أرشيف الاستخبارات المركزية سُمح بنشرها، أن الزعيم قام باعتقال 400 عضو من الحزب الشيوعي السوري، وكان ذلك إرضاء للأميركيين، ومن ثم تجاوز الموضوع الشيوعيين ليطول كل من يعارض سلطته ومن بينهم ميشيل عفلق الأمين العام لحزب البعث العربي، وكان إبراهيم الحسيني رئيس الاستخبارات السورية -حينئذ- قد سخّر كل مجهودات مؤسسته لصالح سطوة الزعيم، وانطلقت منذ عهده حفلات التعذيب، في أقبية الاستخبارات للمعارضين السياسيين.

لم يعرف السوريون والعرب عمومًا الولايات المتحدة حتى ذلك الحين إلا من خلال البعثات التبشيرية والخدمات التي تقدمها، وعلى رأسها التعليم، حيث كان للجامعة اليسوعية التي افتتحت في بيروت، وقد تحولت فيما بعد إلى الجامعة الأميركية، أثر واضح في تطوير الحياة العلمية والتعليمية في لبنان وسورية وغيرها، وكذلك ناصرت الولايات المتحدة سورية، وضغطت على الفرنسيين في الأمم المتحدة، من أجل نيل سورية استقلالها، وقد عقدت عليها النخبة العربية، في مرحلة ما، آمالًا كبيرة، لكن بعد قيام الكيان الاسرائيلي والدعم الأعمى له؛ بدأت تلك النظرة تتغير إلى جانب معادٍ تمامًا للولايات المتحدة، نظرة مليئة بضعف في الثقة والشعور بالعداء تمتد حتى يومنا هذا، ورفضت الحكومة السورية المنتخبة في ذلك الوقت توطين اللاجئين الفلسطينيين، وقاومت مصالح الولايات المتحدة في المنطقة، ردّا على دعم “إسرائيل”، وكان على رأسها تمديد خط (التابلاين) النفطي، وكذلك الاتفاقية النقدية الفرنسية. في نهايات 1948 أرسلت الاستخبارات الأميركية المركزية عميليها: (ستيفن ميد) و(مايلز كوبلاند)، للتخطيط لانقلاب عسكري في سورية ضد حكومة شكري القوتلي مع قائد الجيش حسني الزعيم، والتقى كوبلاند -بحسب وثائق نشرتها (سي آي إيه)- الزعيم ست مرات على الأقل، في تشرين الثاني وكانون الأول 1948، وتتحدث بعض المصادر عن دور لعديل حسني الزعيم المدعو نذير فنصة في الترتيب للقاءات، وقد عيّنه حسني الزعيم، بعد الانقلاب سكرتيرًا خاصًا له.

لم يمض وقت طويل على الانقلاب؛ حتى قام الزعيم الذي كان قد حل البرلمان، واستحوذ على السلطة التشريعية والتنفيذية في البلاد، بتوقيع اتفاقية النقد مع فرنسا، في 21 نيسان/ أبريل 1949 واتفاقية (التابلاين) في 16 أيار/ مايو من العام نفسه، بل تجاوز حسني الزعيم التوقعات الأميركية، بعد أن أبلغ السفير الأميركي في 28 نيسان/ أبريل 1949 أنه مستعد لبدء مفاوضات سلام مع “إسرائيل”، وتوطين 250 ألف فلسطيني في سورية، ولكن لم يتوفر لديه الوقت لذلك، حيث تم الانقلاب عليه في 14 آب/ أغسطس من العام نفسه، وتصفيته هو ورئيس وزرائه حسني البرازي في منطقة قريبة من المزة.

يعدّ الانقلاب الذي قام به حسني الزعيم كارثة على سورية؛ لأنه فتح شهية العسكريين للسلطة التي سيطرت على سورية حتى يومنا هذا، وسجلت أقبية استخباراته الشكل الدنيء للتعامل مع المعارضين الذي ظل متبعًا إلى يومنا هذا أيضًا، وأبدت استعداد المعارضة السياسية لقلب نظام الحكم، ولو بطرق غير دستورية، واستمر حكم الزعيم 136 يومًا، في حين استمر النفط بالتدفق في خط (التابلاين) حتى عام 1976.

كما كان الانقلاب كارثة الشرق الأوسط؛ لأنه شجع الولايات المتحدة على سياسة الانقلابات العسكرية والتعامل مع الجنرالات، وسرعان ما حدث ذلك في مصر 1952، وفي إيران 1953 التي اعتبر كوبلاند عملية (أجاكس) على محمد مصدق، نسخة مطابقة لانقلاب الزعيم الذي دُرِّس حسب كتابه (لعبة الأمم) لمدة عشرين عامًا، في برنامج تدريب العملاء الأميركيين في الـ (سي آي إيه)، عن كيفية تعامل الولايات المتحدة، في تغيير أنظمة الحكم في العالم الثالث، كما أنه بيّن استعداد القادة العرب للتنازل في القضية الفلسطينية، حتى أبعد المراحل.

المراجع:

  • الحوراني، أكرم. مذكرات أكرم الحوراني. الطبعة الأولى 2000. القاهرة. مكتبة مدبولي (الكاتب قيادي في حزب الشباب ومن ثم البعث العربي الاشتراكي)
  • نهأبطاطو، حنا. فلاحو سوريا – أبناء وجهائهم الريفيين الأقل شأنًا وسياستهم. ترجمة (عبد الله فاضل، رائد النقشبندي). الطبعة الأولى 2014. الدوحة. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.
  • فضل الله، منصور. أعاصير دمشق. نسخة غير مؤرخة. (الكاتب هو الضابط المسؤول عن عملية إعدام حسني الزعيم)
  • أرسلان، عادل. مذكرات الأمير عادل أرسلان. الطبعة الأولى 1994. بيروت. الدار التقدمية (الكاتب وزير الخارجية أيام حسني الزعيم)
  • باروت، محمد جمال. التكوين التاريخي الحديث للجزيرة السورية. الطبعة الأولى 2013. الدوحة. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.
  • Copeland, Miles. The game of nations. The amorality of power politics. New York 1970
المصدر
رعد أطلي - جيرون
الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق