ملفات وقضاياموضوعات مختارةسلايد

د. توفيق برو: السلطان عبد الحميد الثاني والجامعة الإسلامية

  •   
  •   
  •   

 

 

(كان عبد الحميد الثاني يقدر أهمية البلاد العربية، ويدرك أن اليوم الذي ينفصل فيه العرب عن سلطته، وعددهم يقارب العشرة ملايين، سيكون نذيراً بانهيار الامبراطورية، لأنهم يشكلون أساس دعامتها، وذلك ان بلادهم من أغني المناطق العثمانية، فهي تمد خزينة الدولة بالقسط الأوفر من الموارد او ما يقدر بثلثي وارادات الميزانية، كما تمدها بالعدد الأكبر من الرجال لجيشها، وفيها من أملاك الأوقاف أكثر من أي مكان آخر، ومعظم أملاك السلطان الخاصة هي في الولايات العربية، فكان إلى جانب تشديد المراقبة عليهم، ومنهم من الاتصال بعرب الخارج، وخاصة مصر، ونفى من يخشى من نشاطه وخطره من وجهائهم، او استدعائه إلى الآستانة كي يبقى تحت مراقبته، أو تعيينه في بعض الوظائف الشرفية، لا يتوانى عن منح المكافآت أو المساعدات لمدارسهم ومؤسساتهم الخيرية، ويبذل المال لإصلاح وزخرفة مساجدهم في مكة والمدينة وبيت المقدس.

وبالاختصار كان يسلك سبيل الحكمة وكل ما يستطيع من مداراة تجاههم ولا يلجأ إلى القوة والعنف إلا حينما لا يجدى اللين والمداراة، لئلا تنفجر العواطف القومية بينهم.

على أن فكرة الجامعة الإسلامية هي أهم الأساليب التي حاول عبد الحميد ان يستقطب بها نفوس العرب خاصة، والمسلمين عامة. وقد رمى من وراء تمسكه بها إلى أهداف عديدة، وذلك ان هذه السياسة توطه موقفه الداخلة ضد الأحرار والمعارضين لحكمه، كما تعزز موقفه الخارجي وتكسبه ولاء المسلمين في جميع أنحاء العالم، بصفته خليفة لهم، وبها يستطيع ان يهدد نفوذ الدول الأجنبية في مستعمراتها التي يسكنها عشرات الملايين من المسلمين.

وفي الحقيقة شعر الأوربيون بخطر هذه السياسة على نفوذهم، وانبرى رجال لهم شأن في تاريخ الاستعمار كالمسيو هانوتو واللورد كرومر واللورد غراى إلى مهاجمة الجامعة الإسلامية واعتبارها بؤرة للتعصب الديني، وأن ليس القصد منها سوى تحدى قوات الدول المسيحية، ودعوا الأمم الأوربية إلى مراقبتها مراقبة دقيقة والحذر منها. فرد عليهم بعض أقطاب العرب والترك يدافعون عن الجامعة الإسلامية وينفون عنها صفة التعصب الديني، بل ان رد الأستاذ محمد عبده على اللورد كرومر تضمن دفاعاً عن السلطان عبد الحميد نفسه إذ وصف دولته بأنها أكبر دول الإسلام وأن سلطانها أفخم سلاطينهم. كما كتب البرنس صباح الدين كتاباً إلى اللورد غراى رداً على خطابه في مجلس العموم البريطانية وقوله إن الجامعة الإسلامية ليست سوى بؤرة للتعصب الديني، وجهه إليه على صفحات صحيفة التايمز في الثالث عشر من آب/ اغسطس 1906، بين فيه أن الجامعة الإسلامية ليست أسطورة من الأساطير، بل تسمى باللغة الاجتماعية رد فعل الشرق ضد أعمال الغرب، هذه الأعمال التي لم تكن، على الدوام، تحمل الطابع السلمي، وقد فضح البرنس استغلال عبد الحميد لهذه الفكرة، وأن حكومته – إزاء ما تراه من تحرر الشبيبة التركية، واندفاعها نحو الإصلاح والمدنية الغربية بقدم ثابتة، لما شرعت بالوقوف في وجه حركة الإصلاح، اضطرت للتسربل بجلباب الدين في محاولة علها تنقذ صرح الإستبداد الذي أصبحت دعائمه تهتز وتترنح وأن ليس اتجاهها هذا الا حقداً على الحركة التحريرية، لا إخلاصاً منها وعطفاً على فكرة الجامعة الإسلامية، وأن الإمبراطورية العثمانية التي تحوى بين رعاياها عدد لا يستهان به من أتباع الديانات الأخرى ينبغي ان تكون إدارتها حيادية عادلة وعلمانية ودستورية، وأن لا تضحى بعلاقاتها مع الدول العظمى على مذبح الجامعة الإسلامية.

في الحقيقة أراد عبد الحميد -وقد شعر بموجة الشعور الديني التي كانت تجتاح أرجاء العالم الإسلامي في أواخر القرن التاسع عشر، كرد فعل للحركة الاستعمارية الأوربية الطاغية، وقد أذكى نار هذا الشعور أئمة أفاضل من العلماء أمثال جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، والشيخ مصطفى الغلاييني، ورشيد رضا وغيرهم- أراد إستغلال هذا الشعور في سبيل توطيد سيطرته في الداخل وتعزيز مكانته الدولية في الخارج، فقام يبرهن على تعلقه بهذه الفكرة وإخلاصه لها، وأخذ يستميل الشخصيات الدينية، ووجهاء العالم الإسلامي إليه، ويغدق عليهم من نعمه ونياشينه، وأنشأ مدرسة خاصة لتخريج الدعاة ونشرهم في مختلف العالم الإسلامي ولترويج الدعاية، لهذه الفكرة وله كممثل وراع لها، كما تفتق ذهنه عن مشروع سكة حديد الحجاز ووصلها بسكة حديد بغداد، التي كانت قيد التأسيس، لتسيير السفر إلى الحج وخدمة المسلمين. وقد رمى من وراء هذا المشروع إلى أغراض مختلفة كلها تخدم نفوذه ومكانته في العالم الإسلامي وبين العرب، وتعزز سياسته المركزية الضيقة، وحكمه الفردي، منها ما هو ديني، وما هو عسكري وسياسي واقتصادي واجتماعي، فهو أولاً يسهل الحج وبتقصير مدة الرحلة ويجعله في متناول الجميع فيزيد الاختلاط والتعارف والتآلف بين المسلمين، ويؤمن نقل الجند بسرعة لقمع الثورات، وللدفاع عن أطراف المملكة، ويساعد على التبادل التجاري، وعلى نقل الأفكار وانتشارها وعلى تنمية الحياة الزراعية على طول خط سيره، وعلى توطيد سلطة الخليفة والقضاء على دسائس الإنجليز ومؤامراتهم في البحر الأحمر والجزيرة العربية.

غير أن هذه الاتجاه إلى بناء السكك الحديدية في طرفي بلاد العرب، حيث عشش نفوذ الدولة وانجلترا خاصة، هذا الاتجاه جاء مع مستهل القرن العشرين، أيقظ في نفس  الدول الأوربية شهور الاستياء التام وعلى رأسها الحكومة الإنجليزية، إذ رأت وراء هذه السياسة شبح الاخطبوط الألماني الذي لم تتورع الدول الأوربية عن القول بأن الجامعة الإسلامية كانت مطية له، والذي بدأ يطل برأسه، ويظهر كأخطر منافس للحكومة الإنجليزية في ميدان الاستعمار، وأكبر خطر على مصالحها في البلاد العربية)[1].

[1]برو (توفيق)، العرب والترك في العهد الدستوري العثماني 1908-1914، معهد الدراسات العربية العالية، جامعة الدول العربية، نشر، دار الهنا، 1960، صـ 34-36

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق