مختارات من الكتب

من كتاب الأسد والصراع على الشرق الأوسط .. إسقاط عبد الكريم الجندي

  •   
  •   
  •   

 

 

سلط باتريك سيل الصحفي البريطاني الذي دون كتاب الصراع على سورية، وكتاب الأسد والصراع على الشرق الأوسط، الضوء على حادثة مقتل عبد الكريم الجندي، في النص التالي من كتاب الأسد والصراع على الشرق الأوسط:

بالرغم من أن صلاح جديد أصبح في هذا الوقت ضعيفاً في القوات المسلحة إلا أنه ظل يسيطر على الأمن والمخابرات بواسطة عبد الكريم الجندي الذي قام، بصفته مديراً لمكتب الأمن القومي في الحزب اعتباراً من أيلول / سبتمر 1967، بتوسيع أجهزة الدولة القمعية توسيعاً كبيراً. إذ جند جيش من المخبرين الصغار، وحدثت اعتقالات تعسفية كثيرة، ومظالم أخرى، كما تزايدت النزعة إلى عدم سماع شكوى الناس.

وبدأت تنتشر قصص تعذيب لم تكن معهودة في سوريا من قبل على الإطلاق، فتنشر جواً من الرعب. وسيطر على العاصمة نوع من منع التجول غير الرسمي ولا المعلن، وأمسى قليل من الناس هم الذين يجرؤون على الخروج بعد هبوط الظلام خوفاً من أن توقفهم شرطة الأمن وتقتادهم بعيداً.

كان الناس يشعرون بالعصبية، وعدم الطمأنينة، ويحجمون عن مغادرة البلاد لأنه قد عرف عن أجهزة الأمن أنها تقتحم البيوت الخالية وتصادرها. والتصق كثير من هذا القرف الكريه باسم الجندي.

في سنة 1968 كان عبد الكريم الجندي في السادسة والثلاثين، ذكياً ونشيطاً ولكن كان في تركيبه شيء ليس طبيعياً تماماً. كانت غرائبه وقسوته توحي بأنه كان فوضوياً او حتى عدمياً أكثر منه اشتراكياً متصلباً متشدداً. وقيل ان زوجته، التي لم يكن متفقاً معها، كانت سيدته الوحيدة. وكان يعتبر النكت الموجهة ضده انتهاكات إجرامية. فعندما سمع أن بعض الناس تداولوا حكايات وإشاعات عنه في اجتماع خاص للمحامين وغيرهم من الحرفيين بدأ يطاردهم، فهرب بعضهم مشياً على الأقدام عبر الجبال إلى لبنان وظلوا هناك إلى حين سقوطه.

وفي شباط 1969 انفجرت العداوة بين الأسد وجديد إلى صراع مادي جسدي، او بالأحرى: بينما كان المتنافسان لا يزالان يختاران للتعبير عن نزاعهما لغة الخلافات السياسية، فإن مؤيديهما المتنمرين “القبضايات” راحوا يتضارون. وعلى مستوى المسدس والقبضة كان يدير الصراع مدير قوى الأمن التابع لجديد، العقيد عبد الكريم الجندي، وشقيق الأسد الأصغر رفعت الذي كان عندئد في الحادي والثلاثين.

كان رفعت يرى نفسه رجل عمل وتحرك، وفكان دائماً متعجلاً قليل الصبر مع طريقة أخية المتأنية في معالجة الأمور. ويمكن القول بشكل ما إن صعود الأسد قد فتح الطريق أمام رفعت بحيث بدأ يأخذ كمسلمات بديهية السلطات والامتيازات التي اضطر الأسد للكفاح من أجلها خطوة خطوة، وهكذا عجل ضغط رفعت بتأزيم الأمور.

انضم رفعت إلى الحزب وهو في سن الخامسة عشرة عام 1952، وسيق للخدمة العسكرية في سنة 1959 أيام الوحدة. وانتقل بعد الانفصال إلى وزارة الداخلية. وفي سنة 1965، أثناء الصراع الحزبي الداخلي عين نائباً لقائد وحدة عسكرية خاصة مؤلفة كلها من الحزبيين فقط، وهي التي يتذكر القارئ أنها كانت في الأصل بقيادة محمد عمران، ولكن رفعت سيطر عليها بعد أن انشق عمران عن اللجنة العسكرية. وقد لعبت هذه الوحدة دوراً في انقلاب سنة 1966 ضد الفريق أمين الحافظ. وكانت ستشن حرباً ضد عبد الكريم الجندي.

انفجر القتال عندما بدأ رفعت يعتقد بأن جديد يخطط لاغتيال شقيقه. فقد أوقفت سيارة كانت تحوم قرب منزل الأسد واعترف سائقها بعد الاستجواب بأن الجندي أرسله لاغتياله. ولم يكن بالامكان التحقق من ذلك، كما أن الطريقة التي انتزع بها اعتراف السائق أدت إلى عدم مصداقيته، إلا أن ذلك كان كافياً بالنسبة لرفعت كي يحث أخاه على العمل دونما إبطاء، وقال له بأنه ما لم يتم نزع سلاح الجمدي فإن الأسد وإخوته سيكونون عرضة للخطر.

وفي الأيام الأربعة ما بين 25و 28 شباط / فبراير 1969 قام الأسد ورفعت بشئ ينقص قليلاً فقط عن أن يكون إنقلاباً خاصاً بهما. فحركا الدبابات إلى النقاط الهامة في العاصمة، وطردا بالقوة رئيسي تحرير صحيفتي الحكومة والحزب: الثورة والبعث، والمواليين لجديد واستبدلا بهما رجال الأسد، وتم الشئ نفسه بين موظفي التحرير في إذاعتي دمشق وحلب. أما في اللاذقية وطرطوس المركزين الرئيسيين في منطقة العلويين فقد حدثت مشاجرات عنيفة عندما قام مؤيدو الأسد بطرد أتباع جديد من مكاتب الحزب والحكومة. ولكن الحادثة الحاسمة كانت قيام رفعت بتضييق الخناق على الجندي في دمشق.

كان من عادة سائقي سيارات الجيب وغيرها من سيارات مديرية الأمن التابعة للجندي أن يتزودوا بالوقود في مبنى وزارة الدفاع في دمشق، وخطرت لرفعت وسيلة اعتقال كل واحد منهم عند توجهه للتزود بالوقود . وهكذا تم التقاط سائقي الجندي واحداً بعد الآخر فحرم من أسطول سياراته. وعندما أخذ سائق الجندي نفسه أدرك الجندي أن وقته قد حان. وفي وقت ما خلال ليلة 1-2 / آذار وبعد مشادة كلامية بالهاتف مع مدير المخابرات العسكرية علي ظاظا، قتل الجندي نفسه بإطلاق الرصاص على رأسه. ولا شك في أنه كان يعلم أنه سوف يعتبر مسؤولاً عن جرائم كثيرة. ولعله خشي أن يتعرض لمصير كمصير سليم حاطوم، الرفيق الحزبي الذي عذبه قبل أن يبعث به إلى الإعداد قبل ذلك التاريخ بعامين.

كان الجندي رجلاً متعجرفاً لا يطيق بسهولة فكرة مواجهة التحقيق والمحاكمة وصدور الحكم عليه. ولابد أنه شعر والأحداث تدهمه وتطبق عليه بأنه في عزلة نظراً لأن قليلين فقط من أبناء طائفته الاسماعيلية ظلوا في مراكز التأثير في الجيش أو الحزب. وكان الجندي فقراً بدون موارد مالية أو أصدقاء أو رغبة في أن يبدأ لنفسه حياة جديدة خارج سورية. ولذلك لم يكن لديه خيار الهرب إلى الخارج. وأقدمت زوجته على الانتحار بعد ذلك ببضعة أسابيع.

وتقدم جديد وزعين والأتاسي موكب الجنازة في بلدته السلمية. ولم يحضر الأسد ولكن وزارة الدفاع أرسلت إكليلاً. وحسبما جاء في رواية مصدر ثقة أن الأسد بكى عندما سمع بنهاية الجندي العنيفة. صحيح أنه هندس سقوط الجندي إلا أنه كان يمقت المجابهات العنيفة وبخاصة إذا كان الضحايا من رفاقه.

على أثر موت الجندي الذي غير ميزان القوة تعزز مركز رفعت الشاب كذراع الأسد اليمنى القوية في مجال النزاعات الداخلية. كان رفعت رجلاً أنيقاً، قوي البنية، وقد ورث أكثر من غيره من آل الأسد مقداراً كبيراً من الثقة بالنفس والإقدام. كان يتلهف للحصول على السلطة وعلى الاستمتاع بالحياة، ولم يكن يأبه كثيراً كيف يحصل عليهما معاً. في ذلك الوقت بدأ في طريق الصعود.

أما بين أتباع جديد فقد سَبَّبَ موتُ الجندي جزعاً شديداً، فقد فقدوا بذلك أداة حيوية من أدوات السلطة، كما يتذكر شاهد كان قريباً من الأحداث آنذاك بقوله :”ذات ليلة، عندما كان زعين جالساً معي في البيت تلقيت مكالمة هاتفية بأن الجندي قد أُطلقت عليه النارُ أو أطلق النار على نفسه، وقد نقل إلى المستشفى الإيطالي، القريب جداً من بيتي فذهبت لألقي عليه نظرة فوجدت أنه قد مات. وعند عودتي أخبرت زعين بالخبر، فبدأ يبكي، وأطلق عبارة غريبة: ” لقد أصبحنا جميعاً أيتاماً”، ولابد انه كان يعني بها أنه وجماعته قد فقدوا بموت الجندي أباً وحامياً”.

ورغم أن الأسد كسب جولة هامة فإنه كان هائل التردد في استغلال الفرصة لكسب المزيد. ولم يكن ثمة مجال للمصالحة بينه وبين جديد، ورغم ذلك فقد سمح لقيادة جديد القطرية بأن تستمر في العمل ولكن مع إجبارها على التراجع عن مواقفها من القضايا السياسية، فخفضت نغمة الصراع الطبقي، وتم إسكات النقد الموجه ضد الأنظمة العربية، وأطلق سراح بعض السجناءالسياسيين، وشكلت حكومة ذات قاعدة أوسع، وظهرت بوادر ترقيع “جبهة شرقية” بالاشتراك مع الأردن والعراق. وهكذا خرجت سورية من عزلتها وعادت إلى حضور مؤتمرات القمة العربية. وفي أوائل آذار 1969 جاء إلى دمشق مبعوثون من قبل الرئيس عبد الناصر، والرئيس الجزائري بومدين بل حتى من قبل النظام البعثي الجديد في العراق وذلك لكي يعرضوا وساطتهم في الصراع بين الأسد وجديد الذي أصبح حينذاك حديث الحكومات العربية.

في هذه الفترة قام الأسد ونور الدين الأتاسي بزيارة عبد الناصر في القاهرة، وكان الزعيم المصري قد تجمعت في نفسه مشاعر شتى حيال سورية والسوريين: فهم الذين طالبوه بالوحدة مع مصر ثم هم انفصلوا عنها فأنزلوا به ضربة قاصمة، وهم الذين استدرجوه إلى كارثة حرب حزيران / يونيو التي لم يشف منها أبداً. وها هو الآن، وفي الشهور الأخيرة من حياته، يسأل بسأم زائريه عن أحوال بعثيين سوريين آخرين كان قد عرفهم، فعلم منهما أن أحدهم قتل، والثاني يتلقب في السجن، والثالث تم نفيه. وهنا قال عبد الناصر متعجباً: “آه يا بعثيون! كم أنتم شديدو القسوة حيال بعضكم البعض. أما نحن في مصر فحين شكلنا حركة الضباط الأحرار اتفقنا أنه إذا ما حدث شقاق بيننا فإن لكل واحد منا ملء الحرية في أن يعود إلى حياته الخاصة”. ولكن السوريين لم يكونوا على استعداد، في هذا الأمر ولا في غيره، لأن يسيروا على الطريقة المصرية.

فمن بين الأعضاء المؤسسين الخمسة للجنة العسكرية: كان عمران منفياً في لبنان، وكان المير قد طرد إلى مدريد، والجندي قد مات. أما الاثنان الباقيان الأسد وجديد، فكانا مشتبكين في عراك يستميت فيه كل منهما من أجل الوصول وحده إلى قمة السلطة[1].

[1] سيل (باتريك)، الأسد والصراع على الشرق الأوسط، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، لبنان، 2007، ط1 صـ 248-250

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق