مقالات

الرئيس القوتلي لجميل مردم بك :أنت غلطان لأنك لم تقطع رقبته ولم تأمر بإلقائه من أعلى درج الوزارة

  •   
  •   
  •   

الرئيس القوتلي لجميل مردم بك :أنت غلطان لأنك لم تقطع رقبته ولم تأمر بإلقائه من أعلى درج الوزارة

شمس الدين العجلاني – الأزمنة* 

يحكى عن مواقف وطنية رائعة اتخذها أبناء الوطن زمن الاحتلال والاستعمار، ويحكى أنه في زمن الانتداب الفرنسي على سورية كان للرجال والنساء والأطفال مواقف مشرفة لتحرير الوطن ونيل الاستقلال.. ويحكى.. ويحكى، قصص طويلة وكثيرة، منها ما تحفظه الذاكرة الشعبية، ومنها ما نعثر عليه في بطون الكتب والصحف والمجلات.. ويروى عن وزير الخارجية السوري جميل مردم بك موقف مشرف تجاه المندوب السامي الفرنسي، وثناء الرئيس السوري آنذاك شكري القوتلي على موقف مردم بك: 
صاحب الحكاية
 ينتسب جميل مردم بك إلى أسرة دمشقية عريقة، ولد في دمشق عام 1893م، وتلقى تعليمه بدمشق وفرنسا، وفي عام 1911م أسس بالاشتراك مع مجموعة من الشباب المثقف في باريس جمعية سرية سميت ” الجمعية العربية الفتاة “، لتحرير الأرض العربية من الهيمنة العثمانية والأجنبية. 
في عام 1913 انضمت بعض الجمعيات السرية إلى ” الفتاة ” في الدعوة إلى مؤتمر للعرب يعقد في باريس، وانعقد المؤتمر فعلاً وعرف باسم ” المؤتمر العربي” وشارك فيه ممثلون عن جميع الأقاليم العربية، وكان جميل مردم بك واحداً من الثمانية الذين وجهوا الدعوة للمؤتمر وشغل فيه وظيفة أمين السر العام المساعد، وعندما صدرت موجات الحكم بالإعدام من قبل السلطات العثمانية على رواد القضية العربية، كان مردم بك لا يزال في فرنسا، وعلى الرغم من ذلك صدر الحكم عليه بالإعدام غيابياً. 
  عاد مردم بك إلى أرض الوطن عام 1919، وأصبح مستشاراً للأمير فيصل، وانضم إلى حزب الشعب الذي أعلن في عام 1925 الثورة ضد الاحتلال الفرنسي، وأسهم في المعارك التي جرت بين قوات الاحتلال الفرنسي وبين المقاومة السورية التي كان لواؤها معقوداً لسلطان باشا الأطرش، وأصدرت سلطات الانتداب الفرنسي الحكم عليهما بالإعدام غيابياً.
 وفي عام 1932 انتخب نائباً في البرلمان عن مدينة دمشق، كما انتخب أيضاً نائباً عن دمشق في برلمان عام 1936 وفي برلمان عام 1943، وكان وزيراً في عدة وزارات، منها وزارة الخارجية والدفاع الوطني في عام 1945م، وشكل الوزارة عدة مرات أيضاً، وقدم استقالته من رئاسة الوزارة في شهر كانون الأول عام 1948م. وغادر دمشق في كانون الثاني عام 1949 وأقام في القاهرة، حيث نشر في شهر أيلول من عام1954 تصريحاً أعلن فيه رسمياً اعتزاله الحياة السياسية، ولم يكن قد تجاوز الواحد والستين من العمر، وفي التاريخ المعاصر كان المثال الفريد للزعيم السياسي الذي يعتزل الحياة السياسية وهو في أوج نشاطه، وفي الأول من شباط  1958دعاه الرئيس جمال عبد الناصر للوقوف معه ومع الرئيس القوتلي عند توقيع الإعلان عن الوحدة بين سورية ومصر. وافاه الأجل في عام 1960.

 تقول الحكاية
يحكى أنه في صباح يوم السادس والعشرين من شهر أيار عام 1945م شهدت شوارع دمشق موكباً عسكرياً حافلاً، تزأر سياراته بصفاراتها الحادة، عربات جيب عسكرية.. ضباط وشرطة.. سيارات مدرعة ومصفحة.. الموكب يخترق شوارع دمشق محيطاً بسيارة فاخرة تحمل العلم الفرنسي، ويصل الموكب بسلام إلى وزارة الخارجية، وتقف السيارة الفاخرة، ويقفز الجنود حولها ويتقدم أحدهم ليفتح الباب للجنرال الفرنسي (بينيه) المفوض السامي للحكومة الفرنسية، ( كان مفوضاً سامياً من آذار عام 1944 إلى  يوم الجلاء..) (يتمختر الجنرال بينيه) بكل عظمة هو وكل الأوسمة والنياشين التي علقها على صدره، ويدخل مع شلة من ضباطه إلى مبنى الوزارة قاصداً مكتب الوزير، ولم يكن يدري هذا الجنرال أن وزير الخارجية آنذاك جميل مردم بك قد عُجن بالوطنية، وتلقى أول درس في حب الوطن من صدر أمه؛ ولم يكن عمره آنذاك إلا أياماً قليلة..

لم يفاجأ الوزير بدخول الجنرال الفرنسي لأن الضوضاء التي أحدثها هو وموكبه العسكري الحافل، لفتت انتباه الوزير فاتجه إلى النافذة ليرى ثكنة عسكرية بحالها قد انتقلت إلى أمام وزارته، دخل الجنرال وكل نياشينه إلى مكتب الوزير بدون موعد أو استئذان، وألقى تحية الصباح على الوزير مردم بك، الذي رد عليه بكل برودة الأعصاب وهو يشغل نفسه ببعض الأوراق التي كانت على مكتبه، فتقدم الجنرال للوزير بمذكرة تتضمن مطالب فرنسية من الحكومة السورية، فتناولها مردم بك وأخذ يقرؤها بكل هدوء بعد أن طلب فنجان قهوة لنفسه دون أن يطلب للجنرال أي شيء، وبعد مرور قرابة ربع الساعة قال الوزير إن سورية لا تستطيع قبول ما جاء في المذكرة، فرد عليه الجنرال وهل تستطيع سورية عدم القبول وابتسم بسخرية قائلاً هل تعتقد سورية أنها دولة مستقلة لكي ترفض طلبات فرنسا؟، فابتسم مردم بك هو الآخر بسخرية ووقف وكل عنفوان رجالات سورية معه قائلاً: وهل تعتقد فرنسا أنها دولة عظمى لكي توجه هذه المذكرة إلى سورية؟ وأشار إلى باب مكتبه قائلاً اخرج من مكتبي. عقدت الدهشة لسان الجنرال وتراقصت كل النياشين على صدره، ولم ينطق بكلمة واحدة، إنما لملم نفسه وجرته قدماه إلى باب المكتب، وخرج من وزارة الخارجية السورية مهزوماً منكسراً. 
وأدرك الوزير مردم بك أن هذه الحادثة سيكون لها ذيولها، ولا بد من وضع رئيس الجمهورية بصورة هذه الواقعة، فتناول سماعة الهاتف يطلب رئيس الجمهورية، وكان آنذاك شكري القوتلي، وقصَّ الوزير على الرئيس ما حدث فقال القوتلي للوزير غاضباً: أنت غلطان.. فعقدت الدهشة لسان الوزير وأحسّ بفداحة الأمر وأن هنالك مصيبة قد وقعت، فقال للرئيس القوتلي، ولكن المندوب الفرنسي أهان بلدي، فأعاد القوتلي قوله بصوت جهوري: أنت غلطان.. وأردف قائلاً غلطان لأنك لم تقطع رقبته، أو على الأقل أن تأمر بإلقائه من أعلى درج الوزارة..

* الأزمنة: العدد 206_(2-5-2010)

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق