مقالات

ياسر مرزوق: وجوه من وطني.. علي رضا باشا الركابي

  •   
  •   
  •   

ياسر مرزوق- العدد 36 سوريتنا

ولد علي رضا باشا الركابي في دمشق في عام 1886، وينتمي إلى أسرة دمشقية عريقة، والتي تعود بجذورها إلى عشيرة الركابي العراقية المعروفة، وقد تلقى الركابي تعليمه الابتدائي في المدرسة الرشيدية العسكرية ومنها انتقل إلى المدرسة الإعدادية، وبسبب تفوقه أرسل على حساب الدولة العثمانية إلى المدرسة الحربية في الأستانة وتخرَّج منها برتبة “أميرالاي “رئيس أركان حرب وعُيـِّـن قائداً للجيش العثماني في القدس ثمَّ نـُقل بعد أن جرت ترقيته إلى رتبة أمير لواء إلى المدينة المنورة والياً لها وقائداً للجيش العثماني المرابط فيها، ثمَّ نـُقل إلى العراق قائداً للجيش العثماني المُرابط في بغداد والبصرة، وعندما أعلنت الحرب العالمية الأولى عام 1914 م كان رأيه عدم دخول الدولة العثمانية الحرب إلى جانب حليفتها الدولة الألمانية والبقاء على الحياد، فصدر الأمر بتسريحه وإحالته إلى التقاعد بعد أن وجهت إليه عدة تهم بالتخاذل وعدم الولاء للدولة العثمانية، فعاد إلى مسقط رأسه دمشق فعيـَّـنه جمال باشا قائد الجيش الرابع في حينه، رئيساً لبلدية دمشق، ورئيساً للتحكيمات وذلك رغبةً من الأخير بالإفادة من علمه وخبرته، و حرصه على وضعه تحت رقابته وقد آثر الركابي قبول هذين المنصبين، كي يدفع عن نفسه الشبهات. فقد كان الرجل في حقيقته من مؤسسي “جمعية العربية الفتاة ” و” جمعية العهد “. وهاتان الجمعيتان كانتا أول من زرع بذور القومية العربية في العهد العثماني.

عقب إعلان الثورة العربية الكبرى، ودخول الجيش العربي دمشق، عين رضا الركابي حاكماً عسكرياً للمنطقة الشرقية. ومرافقاً عسكرياً للأمير فيصل، ثم عهد إليه بتشكيل أول وزارة عربية، فتسلم الركابي زمام الأمور، وشكل الوزارة عام 1918 التي ضمت كلاً من ” عادل أرسلان، ياسين الهاشمي، بديع المؤيد العظم، فارس الخوري، عطا الأيوبي ” ولقب بالحاكم العسكري. واستمرت وزارته سنة وأربعة أشهر تقريباً وعلى إثر الاضطرابات التي افتعلت في جبل لبنان ومناطق متعددة من سوريا، تقدم الركابي باستقالته. عن “أحمد قدري باشا “عن كتابه “مذكراتي عن الثورة العربية” ننقل

زار رضا باشا الركابي الأمير فيصل في صباح 23 كانون الثاني 1920م، وشكا إليه كثيراً من تردي الحالة في البلاد، وقدم الركابي لفيصل كتاباً مؤرخاً في 18 كانون الثاني، شرح فيه أسباب استقالته، وهذا نصه:

 “في صباح 10 كانون الأول 1919 استدعاني سمو أخيكم ” زيد” إلى داره فتشرفت بحضوره، فسألني عما جرى فتكلمت بما عرفته فأجاب بأن عادل أرسلان ونوري السعيد أخبراه بما جرى في الليلة الماضية ثم سأله –أي الأمير زيد- عن رأيه فأجابه بأن هؤلاء الأشخاص جماعة الفتاة والاستقلاليين، لا صفة لهم ولا يمثلون إلا أنفسهم، لا يهمهم الوطن، ولا دفاعه، ول اتهمهم سوى غايات مكنونة في صدورهم وربما تكون ضد الإمارة مبدئياً وأرى شدة المسؤولية في هذا الباب. وعليه فإني لا أستطيع أن أتبع سياسة الأشخاص غير المسؤولة تحت أي اسم كان، الداعية إلى الفرقة وإماتة الحركة الوطنية في الوقت الذي تحتاج فيه لجمع القوة، والكلمة، كما أني لا أقدر أن أرى حكومة غير مسؤولة، تسيطر على حكومة مسؤولة، تمثيلاً للدور الاتحادي البائد، وأعتقد أن الحكومة التي تسير على رغائب الأشخاص أو الأحزاب غير المسؤولة، فمصيرها ومصير الوطن معها إلى الخراب، وعليه فإما أن يعتمد علي ويعاضدني، لأتمكن من قمع هذه الفوضى قبل استفحالها أكثر مما هي عليه وإما أن يظهر ارتياحه لسياسة المذكورين فأنسحب. فأجابني بأن أكون مطمئناً على حفظ حقوقي فشكرته وانسحبت لداري. وبعد مضي ساعة من عودتي شرف سموه وبرفقته نوري السعيد رافضاً قبول انسحابي لما انسحبت، والآن أقرر ما قلته أولاً فإن رأى لزوماً لوجودي في الحكومة فليعتمد علي ويعاضدني وعندها أعود وإلا فلا عودة لي، وفي النتيجة أمرني بأن أكون مأذوناً بينما تتشرف البلاد بعودة سموكم وأوكل عبد الحميد باشا القلطقجي فوكلته من قبلي ثم بعد يومين عين سموه مصطفى نعمة للوكالة حسب رغائب الأشخاص المذكورين وبهذه الصورة تمت الرواية التمثيلية العائدة لشخص عبدكم، وعلى ذلك قاموا وشكلوا الحكومة الحاضرة وسموها الحكومة الدفاعية ولست أعلم شكل الدفاع الذي أحرزوه والثمرات التي اقتطفوها.

سيدي المعظم:

إنه كان من الواجب على أن أتمم كل شيء وأثبت في مكاني، وأقاوم كل مشاغبة وفوضى لحين تشريف سموكم ولكن خطة نوري السعيد وتمايل سمو أخيكم المعظم إليه وإلى سياسة الأشخاص المذكورين وارتياحه لانسحابي أملاً بما هو أرجح وأنجح، وحراجة الموقف وعدم مساعدة الوقت اضطرني لأن انسحب لكي تتشكل بعدي حكومة تأتي بالخوارق لحفظ الوطن، وتحفظ خطة أقوم وأعدل من خطتي المدونة في مطاوي عريضتي. وإذا أراد أن يستوضح سيدي أكثر من ذلك فإني رهن الإشارة وأرجو الله أن يكلل بالتوفيق والنجاح أعماله ويسعد الأمة على يده ويؤيده بنصر من عنده أنه سميع مجيب. ” 18 كانون الثاني 1920م”.

ثم تسلم الركابي وزارة الحربية في حكومة الأمير زيد بن الحسين عام 1920، والتي سميت بحكومة المديرين، وعندما أعلن المؤتمر السوري استقلال سورية في الثامن من آذار عام 1920 وسمي فيصل ملكاً على سوريا، عهد للركابي بتشكيل الوزارة للمرة الثانية، وقد جاء في نص التكليف من قبل الملك مايلي: ” وزيري السيد رضا الركابي، نظراً لما عرفناه من إخلاصكم وأهليتكم فقد عهدنا إليكم بمنصب رئاسة الوزارة لتشكلوا هيئتها، توصلاً للغاية المقدسة التي ينتظرها كل وطني بفارغ الصبر من إسعاد الوطن ورقيه سياسياً وعمرانياً “.

بعد معركة ميسلون غير المتكافئة، ودخول القوات الفرنسية إلى دمشق، وانتهاء العهد الفيصلي، رحل رضا الركابي إلى مصر. وانتقل منها إلى الحجاز. وهناك كلفه الشريف حسين بالذهاب إلى الأردن، لمساعدة ولده الأمير عبد الله بتأسيس وإدارة دولة شرقي الأردن. حيث عهد إليه في الثاني عشر من آذار 1922 بتشكيل الحكومة الأردنية الأولى. وعمل على وضع القوانين والأنظمة المناسبة للدولة الأردنية الجديدة، ولاسيما في نطاق الأنظمة المالية والجهاز الإداري. وفي الثالث من تشرين الأول 1922 دعاه الأمير عبد الله إلى مرافقته في رحلة إلى لندن، لعقد معاهدة بين الأردن وبريطانيا، وبحث الشؤون العربية هناك.

ومكث الركابي مع الأمير عبد الله بعض الوقت. ثم غادر الأمير لندن واستبقى رئيس وزرائه للاتفاق مع وزارة المستعمرات البريطانية على الشكل النهائي لحكومة الأردن. وقد وفق رضا الركابي بالحصول على موافقة بريطانيا على استقلال المنطقة استقلالاً نيابياً، على أن لا يشملها وعد بلفور المشؤوم بإنشاء الدولة الصهيونية على الأرض الفلسطينية. عاد الركابي بعدها إلى الأردن. ثم نشأ بين الأمير عبد الله وبينه خلاف حول بنود هذا الاتفاق، أدى إلى تقديم استقالته من رئاسة الوزراء، إذ أن الركابي كان ينتمي لمدرسة الواقعية السياسية، ويدرك موازين القوى بعكس الملك عبد الله الذي كان لايزال يعيش حلم والده الشريف حسين بمملكة عربية موحدة.

وفي أوائل عام 1924 دعي رضا الركابي ثانية إلى تشكيل الوزارة في الأردن. فاستجاب لهذه الدعوة، وشكل الوزارة ثانية. وظل في منصبه هذا إلى حزيران من عام 1926، حيث استقال، وانتقل للإقامة بين حيفا والقدس طوال سنتين ونصف السنة. وكان الركابي يوم شكل وزارته، قد أعلن في برنامجه الوزاري، العمل بالصدق والإخلاص في القول والعمل، وتوزيع العدالة بين جميع أفراد الشعب، والمراعاة التامة لشؤون الاقتصاد، والاعتماد على الكفاءات في التوظيف، وقمع بذور الفساد، وكل ما يسيء إلى السمعة. ودعا إلى التعاضد والتكاتف في جميع أمور الإصلاح، وصيانة المنطقة من الأحوال المخلة بالأمن.

كان الركابي وهو رئيس للوزراء في الأردن، يدعم الثورة السورية بكل إمكاناته سراً، ويذكي روح المقاومة بين صفوف الثوار. ومن أجل هذا، لم يستطع عقب استقالته من رئاسة الوزارة العودة إلى أرض الوطن، بل آثر الإقامة في فلسطين إلى أن انتهت الثورة، وصدر العفو العام على كل من شارك بالثورة. وكان خلال إقامته في الأرض الفلسطينية، يعيش عيش الكفاف، بسبب فقره وضيق ذات يده. بعد عودته إلى دمشق، ووفاة الملك الهاشمي فيصل الأول، اعتزل الرجل، النزيه، المستقيم، العمل السياسي ولزم بيته، وانقطع عن الناس.

رحل رضا الركابي إلى جوار ربه، في يوم الاثنين الخامس والعشرين من أيار عام 1942، بعد أن عانى من المرض طويلا، وأصيب بالشلل.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق