مقالات

محمود جديد: الهجوم الإسرائيلي البرّي على الجولان عام 1967

  •   
  •   
  •   

 محمود جديد – الحوار المتمدن العدد: 5188 تاريخ التاسع من حزيران 2016 
بدأ العدو هجومه البرّي صباح 9 / 6 / 1967 مركّزا ضربته الرئيسية باتجاه القطاع الشمالي مع تنفيذ هجمات أخرى مساعدة في القطاع الأوسط والجنوبي .. وقد تصدّت له الوحدات المتقدّمة ، والأنساق الأولى من الدفاعات السورية ، وقاتلته بشراسة ، وأنزلت بدباباته ومشاته خسائر موجعة أجبرته على التوقّف والاستنجاد بالطيران للتعامل مع الأسلحة المضادة للدبابات على وجه الخصوص ، كما لجأ إلى شق طريق جديد في المناطق الجبلية الصخرية من القطاع الشمالي بواسطة / البلدوزرات / المحمية بنيران الدبابات شمال تموضع قواتنا للالتفاف حولها من الجانب الأيمن والأعلى ، وتجنّب نيرانها .. وكما هو معروف في العلوم العسكرية أنّ القوات المدرّعة تستطيع خرق أيّة دفاعات مشاة متواجدة في الأنساق الأولى ، ويبقى التباين محصوراً بين حالة وأخرى بالزمن وحجم الخسائر ، وقد اعترف الضباط الإسرائيليون الذي كتبوا عن تلك الحرب ببسالة مقاتلينا ، وخاصة الوحدات التي كانت متمركزة في تل العزيزيات ، وتل الفخار .. وهي فعلاً أدّت واجبها العسكري كما هو مخطّط لها وبكفاءة عالية .. 
كانت معركة تل الفخار من أشهر المعارك وأكثرها ضراوة حيث استطاعت سرية مشاة سورية أن تصد هجوم نخبة القوات الخاصة في الجيش الإسرائيلي “اللواء مشاة جولاني ” ، ونتيجة تكبده خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد اضطر عدة مرّات للتوقف عن متابعة الهجوم ، وطلب الدعم الجوّي ضدّ موقع السرية الباسلة لتدمير الأسلحة المضادة للدبابات المدعّمة بها ، وبعد أن تمكن العدو من احتلال ذلك الموقع استطاع توسيع قطاع خرقه ، واحتلال معظم الموضع الأوّل من النطاق الدفاعي الأوّل في القطاع الشمالي ، وبعمق حوالي 5كم وحتى مساء اليوم الأول . .. 
كان توجيه القيادة السياسية في دمشق هو التشبث بالمواضع الدفاعية وسد الثغرة التي خرق منها العدو في القطاع الشمالي عن طريق شنّ هجوم معاكس في ليلة 9 – 10 حزيران ، وهذا ما سمعته وعلمته من أكثر من عضو في قيادة الحزب . ، ولكن هذا الهجوم لم يجد طريقه إلى النجاح لعدم جاهزية القوات المكلفة به، إذ لم يتمكن العقيد مصطفى شربا من تجهيز لوائه للانتقال من وضعية الدفاع إلى وضعية الهجوم، كما أنّ الكتيبة المدرعة التي تقدمت ليلاً لهذا الغرض ضلّت طريقها وتوجّهت نحو تل أحمر قرب قرية بقعاتا ، وكان اللواء الذي يقوده العقيد ممدوح عبّارة متمركزاً على السلسلة الجبلية المشرفة على بلدتي مسعدة وبقعاتا، وكان مقرّ قيادته على هذه المرتفعات، فعندما شاهد الدبابات الصديقة التي انكفأت ليلاً على الطريق الموصل بين مسعدة والقنيطرة حسِبٓ أنّها معادية، وبما أنّ هذا اللواء كان مرجعيته العملياتية قيادة الجيش مباشرة فقدبلّغها بذلك ، وطلب منها الموافقة على نقل مقر قيادته إلى خط الدفاع الثاني، وكان من المفروض أن يتأكد من صحة ما شاهده أوّلاً وقبل كلّ شيء من قائد القطاع الشمالي و من قادة كتائبه الموجودين في النسق الأوّل للاستفهام والتحقّق من هويّة تلك الدبابات … 
ولمّا أدرك قائد الكتيبة المدرعة الصديقة أنه ضلّ الطريق، أمرسراياه بالعودة ، ووصل في صباح 10 /6 إلى سفوح تل أبو الندى المشرفة على مدينة القنيطرة متوجهاً نحو مقر لوائه قريباً من المدينة .. 
وعلى ضوء هذه المعلومات أذاع الناطق العسكري باسم قيادة الجيش البلاغ الأول حول سقوط المدينة، ( تحت ذريعة حماية باقي قطاعات الجبهة من التدمير والأسر) ..ولما تبين خطأ المعلومات، حاولت الترقيع واستدراك الأمر فعادت الإذاعة السورية لتتحدّث حول المقاومة الباسلة في مدينة القنيطرة ضد العدو الصهيوني. 
ما تمّ ذكره متقاطع إلى حدّ كبير مع ما سمعته مباشرة أثناء انعقاد مؤتمر عسكري في مبنى الأركان العامة في دمشق عقب العدوان وبدعوة من شعبة عمليات الجيش ضمّ ضباطّاً على مستوى قادة كتائب من التشكيلات المقاتلة في الجيش بهدف عرض وتقييم ماجرى ، ولم يحضره وزير الدفاع ولا رئيس الأركان .. وقد فهمت أنّ قائد اللواء الذي أبلغ عن تقدّم الدبابات الإسرائيلية باتجاه القنيطرة بينما كانت في حقيقتها دبابات صديقة هو فعلاً العقيد ممدوح عبّارة ،وكان مقرقيادته موجوداًعلى السفوح الغربية لمرتفعات بقعاتا ومشرفاً على الطريق العرضاني الذي يربط مسعدة بالقنيطرة ، وقد حمّله رئيس أركانه المقدم سليمان العلي في ذلك الاجتماع مسؤولية التبليغ الخاطئ، لأنّ الأخير كان متواجداً في مقر عمليات اللواء شرق مرتفعات بقعاتا وقد تلقّى المعلومات نفسها من قائد لوائه … .. 
وعلى كلّ حال ، فإنّ جملة أخطاء قد حدثت وتتحمّلها عدة أطراف تتجلّى بالنقاط الرئيسة التالية : 
– تسرّع قائد اللواء المدافع في منطقة مسعدة وبقعاتا العقيد ممدوح عبّارة في التبليغ الخاطئ ، قبل التأكّد من صحّة المعلومة .. 
– ضعف تنسيق التعاون بين التشكيلات المدافعة المتجاورة .. فأيّ خرق يحدث في القطاع الشمالي لا يمكن أن يتم بدون معرفة قيادة اللواء الذي يدافع عنه ، وكان حريّ بالعقيد عبّارة ، أو قيادة الجبهة ، أو مقر عمليات قيادة الجيش المتقدّم المتواجد شرق منطقة القنيطرة أن يستفهم من قائد القطاع الشمالي ، وتكليف وحدات الاستطلاع التابعة لكل جهة تدقيق أماكن تواجد وحدات العدو ومحاور تقدّمها ، وهذه مهمة ثابتة ودائمة في كل وقت ومكان .. 
– إنّ هذا التبليغ الخاطئ لا يبرّر لقيادة الجيش المتمثلة بوزير الدفاع حافظ الأسد وشعبة عمليات الجيش التي تعمل معه وتحت أمرته المباشرة التسرّع في إصدار البلاغ المشؤوم بسقوط القنيطرة بدون التفكير بكيفيّة معالجة هذا الخرق المزعوم ، وبتكليف قيادة الجبهة باستخدام احتياط الجبهة المتمثّل باللواء 70 المدرّع الذي كان يقوده العقيد عزت جديد والمعزّز بقطعات إضافية تضم كتيبة مشاة ميكانيكية ، وكتائب وأفواج من المدفعية المضادة للدبابات ، ومدفعية الميدان ووحدات هندسية المساهمة في التصدي لأي عدو مخترق ، وهذا من صلب مهماتها القتالية ، وكانت جاهزة لتنفيذها ومنتشرة شرق القنيطرة في مناطق تجمّع قريباً من منطقة الصرمان .. ولا أحد يعرف بدقّة كيف حدثت آلية اتخاذ قرار إصدار ذلك البلاغ ، وماهي مقترحات اللواء عبد الرزاق الدردري رئيس شعبة العمليات لوزير الدفاع ، وذلك دون الاطلاع على أرشيف قيادة الجيش إذا بقي دون تحوير وتزوير وإتلاف ، أو كان حاضراً وقت اتخاذه .. 
– بروز هزال تنسيق التعاون بين مقرّي عمليات قيادة الجيش المتقدّم الذي كان يتواجد فيه اللواء أحمد سويداني رئيس أركان الجيش ومعه ضباط من شعبة عمليات الجيش، ومقر القيادة الرئيسي للقوات المسلّحة في دمشق ، أو بينهما وبين قيادة الجبهة في القنيطرة .. 
– عدم الاستخدام القتالي الصحيح لوحدات الاستطلاع على كافة المستويات .. 
وعلى كلّ حال ، فإنّ كلّ هذه الملاحظات والوقائع لا تبرّئ حافظ الأسد من تحمّل المسؤولية الأساسية المباشرة لإصداربلاغ سقوط القنيطرة المشؤوم ،وما نجم عنه من انسحابات وهزيمة عسكرية لأنّه صاحب السلطة العليا في اتخاذ القرار داخل الجيش ، وهو الذي أمر بإذاعته ، وكان من واجبه أن يأمر بتدقيق الموضوع مع الجهات المعنية في الميدان ، قبل اتخاذ أي قرار بمثل هذه الخطورة وخاصة أنّ كل التقارير العسكرية العملياتية تصبّ في مقرّه .. 
ولا تُعفي القيادة السياسية لاحقاً من مسؤولية عدم محاسبة القيادة العسكرية على تقصيرها وأخطائها ..
( رتب الضباط المذكورة في المقال هي التي كانت في ذلك التاريخ لأنّ بعضهم حصل على رتب أعلى لاحقاً ) 
في : 9 / 6 / 2016

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق