مقالات

محمود جديد: اللجنة العسكرية في سورية بين الحقيقة والتوظيف السياسي الطائفي

  •   
  •   
  •   

محمود جديد- الحوار المتمدن-العدد: 4029  تاريخ 12 آذار 2013   

 بداية ، لا بدّ من التنويه بما كتبه الرفيق : مروان حبش حول اللجنة العسكرية ، لدقّته وموضوعيته ، ولذلك فإنّ الأفكار والمعلومات التي أملكها حول الموضوع تتقاطع مع ما ذكره ، وفكّرت بإعادة نشره، ولكنّني وجدت من المفيد معالجة المسألة بشكل يجيب على تساؤلات البعض ، ويردّ بالحجّة والمنطق على الذين حاولوا توظيفها لأغراض سياسيّة طائفيّة ، منطلقاً من ظروف نشأتها ، ودورها ، ومآلها …
– برز دور الضباط البعثيين بعد نجاح الانقلاب على الشيشكلي الذي قاده مصطفى حمدون من مدينة حلب عام 1954، وكان محمد عمران ذراعه الأيمن والذي احتلّ إذاعة حلب التي انطلق منها البلاغ الأوّل للانقلاب .

وبعد قيام الوحدة بين سورية ومصر عام 1958،  ومن خلال العلاقة الطيّبة التي كانت تجمع العقيد حمدون مع الملحق العسكري المصري في دمشق استجاب لطلبه بتسليمه أسماء الضبّاط البعثيّين بذريعة العمل لتسليمهم مراكز مهمّة في الجيش ..  وانطلاقاً من الثقة والصداقة التي كانت تجمعهما قدّم أسماء أبرزهم ، وقد تكون الفكرة من الأساس مرتّبة من قبل عبد الحميد السرّاج بهدف التخلّص منهم كمركز قوّة في الجيش ، على الرغم من وقوفهم إلى جانبه في عصيان قطنا عام 1957عندما حاولت قيادة الجيش التخلّص منه وإبعاده ..وبالفعل كان الأمر على مايبدو لعبة مخابراتية كيفما كان مصدرها ، إذ وجد هؤلاء الضبّاط أنفسهم منقولين إلى مصر بعد فترة قصيرة من تسليم أسمائهم إلى الملحق العسكري المصري السابق .. وهناك تمّ استيعابهم في مواقع ثانوية ، وذابوا في الجيش المصري الكبير المليء برتب أعلى ..

وفي ظلّ سوء إدارة حكم نظام الوحدة في سوريّة، والأجواء البوليسيّة التي كانت قائمة ، وتهميش قاعدة وكوادر حزب البعث المدنيّين والعسكريّين ، وخوفهم على مستقبل الوحدة ، واعتماد عبد الحكيم عامر على ضبّاط سوريين غير وحدويّين ، وضباط مصريّين محترفين ، التقى عدد من الضباط البعثيّين من ذوي الرتب الأعلى المتواجدين في القاهرة وشكّلوا اللجنة العسكريّة الأولى  بهدف تنظيم الضبّاط البعثيّين وحمايتهم من الاحتواء والابتلاع من قبل مخابرات الوحدة ، وقد ضمّت كلّاً من الضباط : العقيد بشير صادق رئيساً ، وعضويّة مزيد هنيدي، وممدوح شاغوري ، وعبد الغني عيّاش ، ومحمد عمران الأصغر رتبة …

وبعد فترة قصيرة نُقِلَ  أربعة منهم إلى السلك الدبلوماسي ، وبقي عمران وحيداً ، ممّا دفعه لإيجاد اللجنة الثانية البديلة  من النسق الثاني من الضبّاط البعثيين ، وتشكّلت بناءً على أسس الأقدمية والتواجد في القاهرة ، والاختصاص العسكري ، وجاءت على الشكل التالي :
المقدّم محمدعمران رئيساً ، وضمّت صلاح جديد ، عثمان كنعان ، عبد الكريم الجندي ، أحمد المير ، منير الجيرودي ، حافظ الأسد ( مدرعات ،  مدفعية ، مشاة ، طيران ) ..

وشاءت الصدف أن حضرت لقاءات بعضهم مع المرحوم صلاح جديد في منزله لأنّني  كنت أسكن معه في بناية واحدة ، ولم أسمع من أحدهم كلمة أو عبارة يُشتمّ منها أيّ نفس طائفي ، وكان همّم الوطني ، وغيرتهم وحرصهم على الوحدة هو هاجسهم الطاغي على كلّ نقاشاتهم …

اللجنة العسكرية رقم 3 :

بعد جريمة الانفصال في أيلول عام 1961عاد الضباط السوريّون الى دمشق ، وبعد فترة قصيرة قامت سلطة الانفصال بتسريح 63 ضابطاً معظمهم من البعثيّين وشملت جميع أعضاء اللجنة العسكرية رقم 2 ، ولكنّهم بقوا داخل سوريّة ، غير أنّ الظروف الجديدة والضرورة فسحت المجال لتوسيع دائرة اللجنة من رفاق آخرين نجوا من التسريح فأُضِيف إلى تشكيلة اللجنة السابقة كلّ من : الرائد حمد عبيد ، الرائد موسى الزعبي ، النقيب محمد رباح الطويل ، والنقيب المسرّح حسين ملحم  ..

وكانت اللجنة حتى ذلك التاريخ بعيدة عن الاتهامات الطائفية ، أو استقطاب الأجنحة داخل حزب البعث الذي تبعثر نتيجة حلّ نفسه كمهر للوحدة … وبعد المحاولة الانقلابية الوحدوية بقيادة العقيد جاسم علوان في 28آذار / مارس / عام 1962 ، والتي شارك فيها الضبّاط البعثيّون تمّ اعتقال معظم أعضاء اللجنة ، وبقي رئيسها محمد عمران في السجن حتى قبيل قيام حركة 8 آذار ، وخلال فترة اعتقاله استلم صلاح جديد رئاستها حسب تسلسل الأقدمية ، واستمرّت في التعاون مع الضباط الوحدويين الآخرين لإسقاط حكم الانفصال ، وهذا ما تمّ في 8 آذار / 1963 ..

اللجنة العسكرية رقم 4 ( في مرحلة السلطة )  :

استعرضنا حتى الآن تشكيل اللجان العسكرية قبل وصول حزب البعث إلى السلطة ، وحتى هذا التاريخ لم  ينطق اي مخلوق حرفا واحدا يمس نزاهة ووطنية هذه اللجنة وبعدها عن الطائفية وسواها من الأمراض الاجتماعية  ، علماً أنّ عدد الذين وُلِدوا في الطائفة العلوية لم يتجاوز الثلاثة في كلّ مراحل تشكيلها ، وتقلّص هذا العدد لاحقاً ، وكان جميع أعضائها ضبّاطاً وطنيّين مخلصين وأكفّٰاء ، ولم يكونوا نكرات أو أمعات ، سواء اختلفنا أو اتفقنا سياسيّاً مع هذا أو ذاك فيما بعد …

بعد أن وصل البعث إلى السلطة عام 1963 أُعِيْدَ تشكيل اللجنة العسكرية من خلال إضافة الضباط :

العميد أمين الحافظ ، أحمد سويداني ، سليم حاطوم ، مصطفى الحاج علي ، توفيق بركات ، وبذلك صار عددها 16ضابطاً ، وبرئاسة العميد أمين الحافظ الأقدم بينهم .. وبقي من ضمنها ثلاثة ضبّاط وُلِدوا في الطائفة العلوية ، ولم يُتَّهم أحد منهم حتى تاريخ تشكيلتها الجديدة بالطائفيّة، وكانت الاعتبارات الحزبية والنضالية والعسكرية هي السائدة فيما بين أعضائها …

بقيت اللجنة العسكرية متكاتفة متضامنة عندما كان الحزب يخوض صراعاً مع الآخرين داخليّاً وخارجيّاً ، وبعد أن استكمل انفراده بالسلطة ، وتربّع أمين الحافظ على عروش السلطات التنفيذية والعسكرية والأمنية والحزبية من خلال جمعه رئاسة الدولة ، ورئاسة الوزراء ، والقائد الأعلى للجيش للقوات المسلّحة ، ورئيس اللجنة العسكرية ، والأمين القطري لحزب البعث ابتدأت حاشية السوء تحوم حوله ، وتلتصق به ، وتنادمه ، وتنبش عفن الطائفية للاستقواء بها ، وأصبح وهج السلطة يلفح جباههم ، ويحرّك غرائزهم ، فراحوا ينفخون في شخصيته التي ضخّمها تمركز السلطات في يديه ( وللتاريخ لم يكن الحافظ كذلك قبل تسلّمه السلطة )  … ولكنّ الشعور بالنقص تجاه الدور الذي قام به عمران وثقافته السياسية والحزبية ، وغياب دور الحافظ عن مجرى الأحداث قبل الثامن من آذار بسبب تواجده خارج القطر،  جعله لا يستسيغ عمران ، فدخلا في صراع خفي بينهما  ، مالبث أن جسّده الحافظ بقراره المنفرد بإبعاد غريمه عن طريق تعيينه سفيراً في اسبانيا بشكل منافٍ للأسس الحزبية لكون عمران عضواً في القيادة القومية ، وأسرع بترفيع حافظ الأسد من رتبة مقدّم إلى لواء بدون أيّ مبرّر عسكري أو حزبي ولم يكن صلاح جديد راضياً عن هذه الخطوة . ومن المفارقات العجيبة أنّ تحالف الحافظ – عفلق – الرزّاز – البيطار الذي حلّ القيادة القطرية في سوريّة بشكل تعسّفي أعاد عمران إلى سورية بعد أشهر قليلة وعيّنه وزيراً للدفاع في عام 1965 واعتمد على مجموعته العسكرية ذات السمات الطائفية …

وفي المؤتمر القومي الثامن آذار / 1965تمّ حلّ اللجنة  العسكرية رسميّاً واستُبدِلَ  بمكتب عسكري تابع للقيادة القطرية ، وتمّ تشكيله من سبعة ضبّاط منتخبين من مؤتمر عسكري هم : المقدّم موسى الزعبي ، المقدّم مصطفى طلاس ، المقدّم حسين ملحم ، الرائد محمد رباح الطويل ، الرائد جمال جبر ، الرائد طالب خلف ، الرائد عبدو الديري .. ومن سبعة بحكم المنصب العسكري : قائد الجيش ، رئيس الأركان ، وقائد القوى الجويّة ، وقائد القوى البحريّة ، وقائد الجبهة ، ومدير إدارة المخابرات العسكرية ، ومدير إدارة شؤون الضباط  ، وأصبح هذا المكتب بشقّيه يشكّل  لجنة شؤون الضبّاط في قيادة الجيش المسؤول عن ترفيع ونقل الضباط وأيّة مسائل أخرى تتعلّق بأمورهم …
ملاحظات واستنتاجات حول اللجنة العسكرية  ، وتوظيفها سياسيّاً :

1 – كان عمر اللجنة العسكرية في ظلّ السلطة عام ونصف فقط ، ولم تستمرّ متماسكة سوى أشهر قليلة ، واستلم أمين الحافظ رئاستها منذ بداية حكم الحزب ، وبالتالي ، فإن إضفاء الطابع الطائفي عليها يعتبر باطلاً وظالماً  ، وتوظيفاً خبيثاً في أمور خارجة عن هدف تشكيلها ، والمسار الذي أخذته …

2 – ساهمت اللجنة العسكرية بفعالية للوصول إلى السلطة ، وسُرِّحتْ ، وسُجِنَتْ ، وعلى الرغم من ذلك قدّمتها على طبق من فضّة للقيادة القومية ( عفلق – البيطار ..) والذي كان تنظيمها لا يتعدّى خمسمائة عضو في سوريّة  .. وكان بإمكنها الاستئثار بها ، مع العلم أنّ اللجنة العسكرية كانت تمتلك  في جعبتها الكثير من الملاحظات على تلك القيادة ، ولكنّها فضّلت اتّباع أفضل الطرق الحزبية …

3 – لم تصل مجموعة عسكرية للسلطة في أيّ بلد في العالم إلّا وكان لها دور مثل دور هذه اللجنة وأكبر في الحياة السياسية ( في مصر – العراق – الجزائر – اليمن – دول العالم الثالث قاطبة ) ، واللجنة العسكرية لم تكن محصّنة من الخطأ ،  وكان السماح بتمركز السلطات بيد شخص واحد أيّ كان من أكبر أخطائها ، وسابقة لا مبرّر لها  .

4 – إنّ السبب الرئيسي لاستهداف اللجنة العسكرية ودورها في تاريخ سوريّة كان الإساءة إلى المرحوم صلاح جديد ورفاقه في حركة 23شباط  ، وقطع الطريق على مشروعهم الاستراتيجي لبناء تجربة جديدة متميّزة  في الحكم وقادرة على الإشعاع والاستقطاب والجذب في الوطن العربي تقود الأمّة العربية على طريق توحيد أقطارها ، وتحرير أراضيها المحتلّة في فلسطين وخارجها ، وإنصاف الجماهير الشعبية الفقيرة والكادحة.

5 – عملت القوى المعادية لأمّتنا وحلفاؤها وأتباعها ،  وعملاؤها على شيطنة اللجنة العسكرية ، وتصويرها  لجنة سريّة يحرّكها صلاح  جديد بإصبعه  تنفيذاً لمخطّط طائفي ، وتوظيفه لصالح المخططات الأجنبية .. هذا مع العلم ، أنّ المرحوم صلاح جديد كان قد اكتشف هذا المخطّط منذ بدايته ، وعمل جاهداً على إحباطه ، ولكنّ نقص الوعي السياسي عند بعض الرفاق ، ومجمل الظروف الذاتية والموضوعية الأخرى كانت الأقوى .. وقد استشعر بالأزمة الراهنة في سورية منذ ارتداد حافظ الأسد عن الخط اليساري للحزب ،  ومراهناته السياسية والاقتصادية على الأنظمة الرجعية العربية والغرب واعترافه بقرار مجلس الأمن رقم 242، وتدخّله  في لبنان عام 1976 …وكان المرحوم صلاح في كلّ زيارة له  في السجن عندما تخبره أسرته عن تردّي الأحوال في القطر يقول لها  : ” القادم هو الأصعب والأدهى “…

6- إنّ شيطنة اللجنة العسكرية تستهدف تشويه شخصية صلاح جديد ، التي كانت مسلّحة بكل الصفات الحميدة أخلاقاً ، وسلوكاً ، ونزاهة ،  وتقشّفاً وزهداً بكل مفاتن الحياة وملذاتها ، وكرهاً للأضواء وبهرجة السلطة ، هذا بالإضافة إلى ذكائه ، ونضجه السياسي ، وثقافته العسكرية والفكرية الواسعة  ، ومحبّته ووفائه لرفاقه ،وإيمانه المطلق بالقيادة الجماعية ، وكرهه للطائفيّة وبعده عنها ،  وتقديم المصلحة العامّة على مصالحه الشخصية ، ومصالح أسرته ، وسبق أن أشرت إلى براهين وأمثلة على ذلك في مقال لي عقب  تصفيته داخل السجن عام 1963بعنوان : ” حقائق عن الشهيد صلاح جديد “وهو منشور على الأنترنيت وباستطاعة أيّ قارئ راغب أن يبحث عنه ويطّلع عليه  …

وأخيرا قد يتّهمني البعض بالمبالغة عند الحديث عن صلاح جديد ، وهذا ظلم لي ، لأنّي أعرف معدن هذا الرجل عن قرب ، ورابطة القرابة التي تجمعني والتي أعتزّ فيها تّعتبَر ثانوية عندما أقيّمه كإنسان بصدق وموضوعية ..وأشعر أنّني لا أزال مقصّراً تجاهه ،  وليست من طبيعتي عبر تاريخ حياتي مداهنة الناس نفاقاً وتزلّفاً ، وما حصلت عليه في حكم البعث كان أقلّ من حقّي ، ولم أكن بحاجة لمساعدة أحد ، وكان إخلاصي لعملي وجهدي وتعبي وسلوكي هو رأسمالي الذي يعرفه كلّ مَنْ خدمت معه رئيساً أو مرؤوساً ، حزبيّٰاً  كان أم غير حزبيٍّ …
في : 12 / 3 / 2013 

 

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق