وثائق وبيانات

كتاب الملحق العسكري في واشنطن إلى رئيس الأركان السوري

  •   
  •   
  •   

كتاب النقيب محمد حجار الملحق العسكري في واشنطن إلى اللواء عبد الكريم زهر الدين رئيس الأركان السوري

سفارة الجمهورية العربية السورية                                   واشنطن 22 نيسان  1962
           واشنطن
   سيدي اللواء القائد العام
    أقدم لسيادتكم أخلص تهاني بمناسبة تشكيل الوزارة الجديدة الانتقالية، التي وضعت حداً للفوضى السياسية، التي اجتاحت سورية الحبيبة. ولاشك أن الاستقرار جاء بفضل حكمتكم وتحملكم كامل المسؤولية في أيام عصيبة تنهار أمامها أصلب الأعواد وأقوى الشخصيات. فاليكم يا سيدي اللواء أعمق احتراماتي وولائي أقدمها من مرؤوس يفتخر بالجيش الذي تحملون لواءه.
سيدي: قرأت في الصحف بعد تشكيل الوزارة الأهداف التي ستحققها الحكومة الجديدة، سواء في الإصلاح الداخلي أو في العلاقات والمشاعر القومية العربية. وقد ورد في الأقوال إجراء استفتاء من أجل الدخول في وحدة مع البلاد العربية المتحررة وفي مقدمتها مصر، ولكن على أسس صحيحة تضمن للشعب السوري حريته وكرامته.
    إن في هذا الاتجاه من النواحي الوطنية اتجاه لا غبار عليه بل يبرز سوريا بدورها الفعال التي كانت وما تزال موطن النضال الوطني وجمع شمل الأمة العربية.
    ولطالما أن في نيتنا أن نمد يدنا النقية الصافية إلى مصر، لابد لي إذن من أن أعرض لسيادتكم معلومات على غاية من الخطورة لتكونوا على بينة منها. إذ قد يكون فيها من الأهمية لدرجة تدخل كعنصر هام في علاقاتنا مع مصر وتلقي ضوء على اتجاهات سياسية لا علم لنا بها.
سيدي: منذ أن وطئت قدماي أميركا وأنا لا أترك ندوة أو اجتماعاً سياسياً إلا واتبعته و جندت قواي والأصدقاء والأصحاب لاستقي الأخبار من وراء كواليس الحكومة الأميركية والسفارات الأجنبية والمنظمات العربية والأجنبية.
والآن انتقل إلى الجو السياسي لأشرح لكم لأول مرة عما استطعت الحصول عليه نتيجة لاحتكاكي بموظفي وزارة الخارجية الأميركية والسفارات الأجنبية، ومن مطالعتي للنشرات التي تصدرها المؤسسات الصهيونية والصحف الأميركية وتعليقاتها.
1-فيما يتعلق بسياسة أميركا الجديدة تجاه الشرق الأدنى والأوسط:
    تؤمن أميركا بأن الأصابع الشيوعية لا تمتد إلا عند اختلال السلطة في أي بلد من البلاد المتأخرة، أو التي لم تجد بعد النظم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تلائمها وتحقق استقرارها. لذلك فإنها ترى أن أي اضطراب يحدث في البلاد العربية لا يستفيد منه إلا الشيوعيون. وبما أن مشكلة فلسطين هي السبب الأساسي في عدم الاستقرار في البلاد العربية المتحررة وخاصة سوريا، وبما أنها ليست متحررة في عواطفها تجاه إسرائيل (أي أميركا) بدافع هيمنة المنظمات الصهيونية وتأثيرها الكبير على مجرى السياسة الأميركية إزاء هذه المشكلة، فهي في الأقل إذ كان إيجاد حل لها مستحيلاً، فليكن هناك هدوء وسلم دائمين. وهذا ما يتفق مع هدف أميركا من جهة ورغبة إسرائيل من جهة أخرى. وخلاصة القول أن أميركا لا ترغب توتراً أبداً على حدود فلسطين ولا تحرص عليه، طالما أن الفوضى السياسية لا يستفيد منها إلا الشيوعيين. وبالفعل فقد خرجت أميركا عن عاداتها التقليدية فهاجمت العدوان الإسرائيلي الأخير في مجلس الأمن وأكدت بحرارة بأهمية الاستقرار في تلك المنطقة.
2-الطريق الذي تنتهجه أميركا في إحلال الاستقرار في هذه المنطقة:
نظرت أميركا إلى عبد الناصر، منذ أن أمم قناة السويس وعقد صفقة الأسلحة مع روسيا، نظرت له نظرة من الوجهة اليسارية المتطرفة. تذكرون يا سيدي مهاجمة الصحف الأميركية وقتئذ اتهامه بالشيوعية. ولكن سرعان بعد ما اتحدت سوريا مع مصر اللتين تشكلان ثلثي الحدود مع إسرائيل وقناعتها بسيطرتها الكلية والقضاء على خصومه، وأنه صاحب الكلمة الأولى والأخيرة في الجمهورية العربية المتحدة، وتوترت العلاقات بينه وبين روسيا إبان ثورة الشواف في العراق، أقول سرعان ما غيرت سياستها تجاهه برضاء…(ثلاث كلمات محذوفة)… وبدأت تستميله لجانبها. فقدمت له قرضاً في اليوم الذي هاجم به روسيا في بور سعيد في ثورة الشواف، بما يعادل 700 مليون دولار، أخذ منه حتى الآن ما يعادل 350 مليون دولار محصولات زراعية من حنطة وشعير الخ، بفائدة قدرها 3 بالمائة وعلى أقساط تسدد خلال 30 عاماً، وبنت سياسة استمالة عبد الناصر على الأسس التالية:
أ-أن كافة التقارير المرسلة من قبل عناصر شعبة المخابرات الأميركية عن نشاط عبد الناصر في كافة البلاد العربية، وتدخله في نظام الحكم فيها، وتشكيله فئات مناوئة للحكام، واعتماده وتشجيعه وصرفه الأموال الطائلة على شبكة جاسوسية في البلاد العربية، وبعض البلاد الإفريقية مثل مالي وغانا، أقنعتها أنه ينوي الاستيلاء على هذه البلاد وإخضاعها لسلطانه وسيطرته. 
ب- من خلال نتائج العدوان على مصر عام 1956م، وتمسك عبد الناصر بقوة الطوارئ الدولية على حدوده مع إسرائيل، وتسليمه شرم الشيخ إلى اليهود، وتفهمها لحقيقة اتجاهات ومشاعر بعض رجال الثورة مثل عبد اللطيف بغدادي، وزكريا محي الدين، اللذين يعتبران أن قضية فلسطين قضية لا تهم مصلحة مصر لتبنيهما للفكرة الفرعونية واعتقادهما أن مصر هي أفريقية قبل أن تكون أسيوية، وفرعونية قبل أن تكون عربية، كل هذا أكد لها أن عبد الناصر لا يريد حرباً مع إسرائيل، من مصلحته لأجل تنفيذ أهدافه التوسعية أن يلتفت إلى قضاياه الاجتماعية ومخططه السياسي، و ألا يحرك ساكناً مع إسرائيل. هذا بعدما أطمأنت تماماً إلى محاربته للشيوعيين في مصر حرباً لا هوادة فيها، وللانكليز أيضاً، لتخلص من استعمارهم نهائياً لتستطيع أن تكمل الحلقة وتحل محل إنكلترا في الشرق الأوسط.
    إزاء هذه الأهداف تقارب عبد الناصر من أميركا وجرى اتفاق سري بين الطرفين على أساس أن تترك أميركا لعبد الناصر مطلق الحرية في أن يتصرف في بلاده وخارجها من البلاد العربية بدون أن تعترض أو تتدخل أمريكا في طريقه، بالمقابل أن يجمد عبد الناصر مشكلة فلسطين كخطوة أولى لحلها ،..(ثلاث كلمات محذوفة )…، وأهم شيء في الاتفاق هو عدم إثارة أي توتر على الحدود ( السفير عمر أبو ريشة على إطلاع تام بهذا الاتفاق السري، وكذلك المستشار الدكتور عزيز علوني حينما كان سكرتيراً لسفارة الجمهورية المتحدة في أميركا أبان الوحدة). ومن جملة الاتفاق هو التغاضي عن تحويل مجرى نهر الأردن مع الإبقاء على سياسة الحرب الدعائية بين مصر وإسرائيل.
    إن أمريكا تعتبر أن عبد الناصر هو الشخص الوحيد الذي يستطيع أن يسيطر على الرأي العام العربي في مصر وصورية خاصة، ويفرض الحلول بالنسبة لقضية فلسطين بدون مقاومة، باستغلاله للثقة الكبيرة التي منحه إياها الشعب العربي في هذين القطرين.
    إذن نستنتج من كل ما تقدم أن أمريكا تعتبر أن أي ضربة سياسية تلحق بعبد الناصر في سورية معناها خروج الموقف من يدها، وبالتالي إمكانية عودة التوتر من جديد، مما يضر بمصلحتها، فيفسح المجال للنشاط الشيوعي حيث تعتبره أنه بلغ أوجه حينما كان اللواء بزري قائداً للجيش، وكانت سورية وقتئذ تسير سيراً حثيثاً نحو الوقوع في قبضة الحزب الشيوعي الذي كان يعد العدة للانقضاض على الحكم. هذا بالإِضافة إلى خيبة أمل الصهيونيين الأميركيين من الوصول إلى اتفاق لحل مشكلة فلسطين.
3-صدى الانقلاب السوري في 28 أيلول وموقف أمريكا منه:
على ضوء ما تقدم كان الانقلاب الذي حدث ضربة هزت كيان أمريكا هزاً لدرجة أن دين راسك كاد أن يصفع وجهه حينما وصله الخبر( هذا قول السفير عمر أبو ريشة بخصوص موقف ديك راسك) فلقد عطل كل سياستها وقلبها راساً على عقب وقابلت الصحف التي تنطق بلسان الصهيونية نبأ الانقلاب بوجوم وحزن شديدين.
    والأمر من ذلك كانت الضربة القاسمة التي أنزلها أبطالنا البواسل في الاشتباك الأخير مع إسرائيل ( معركة تل النيرب) رداً على اعتدائهم، مما أثار قلقاً بالغاً حيث اعترفت وزارة الخارجية بخطورة الموقف، وأبلغت وقتئذ مستشارنا الدكتور عزيز علوني بقلقها البالغ على تجدد الحوادث. كما اعترف أحد كبار هذه الوزارة إلى ( السفير اللبناني في واشنطن بالخسائر الكبيرة التي لحقت باليهود. ولقد اعتبرت أمريكا أن ضياع سيطرة عبد الناصر على سوريا كان بسبب هذه الفئة التي برزت في ليلة حالكة بدون سابق إنذار فأطاحت به. لذلك كانت صحفها لا تذكر إلا أقوال الصحف المصرية وإذاعاتها، وخاصة في الانقلاب الأخير الذي بتنا لا نعلم عن أحداثه إلا من أقوال الصحف الوحيدة الجانب والتي لا تنقل إلا أخبار مصر فقط.
    ويبدو أن العدوان لم يأت اعتباطاً بل الشك يتجه إلا أنه مدبر وجرى بمعرفة أمريكا وإسرائيل..(خمس كلمات محذوفة) … على أساس إظهار سوريا بمظهر الضعيف نظراً لانفصالها عن الجمهورية العربية المتحدة التي كانت سنداً ودرعاً لسوريا، ولا أستطيع أن أؤكد هذا الخبر هنا ولكن بنفس الوقت لا أستطيع أن أنفيه. إذ أن أحد كبار رجال السفارة التشيكوسلوفاكية في واشنطن اتصل بالسكرتير الثاني في السفارة السوري، وتعمد زيارة الأخير، ليقول له في معرض الحديث بأنه يعتقد أن الهجوم على سوريا كان مدبراً ويستهدف خطة سياسية وجرى بمعرفة أمريكا و..(خمس كلمات محذوفة)..وإسرائيل.
    ولقد سارعت أمريكا إلى شجب العدوان وإبلاغ مستشارنا خطورة الموقف. لأنها لم تكن تتوقع أن يكون رد فعلنا شديداً لدرجة أننا مستعدين لخوض حرب مع إسرائيل لو أرادت. ولو لم تضرب يا سيدي اللواء بهذه القوة، لنجحت الخطة ولأظهر..(خمس كلمات محذوفة).. ومعه أمريكا للشعب السوري بأن جيشنا عاجز عن حمايو نفسه من الانفصال.
    ولقد شرح لي رئيس وفدنا في الأمم المتحدة شخصياً الدكتور صلاح طرزي فيما كان يناقش مجلس الأمن مشكلة العدوان الأخير، كيف أن مندوب مصر كان سلبياً جداً حينما تكلم في هذا العدوان، وكأنه مندوب دولة ليس لها أي مشاعر قومية، وتلكأ كثيراً في تبني الاقتراح السوري، ولولا العيب والحياء لسكت وجلس.
    من هذا كله يا سيدي اللواء نستنتج ما يلي:
1-أن …(حذفت الكلمات)….
2-أن….(حذفت الكلمات)…
3-أن له أطماع تقوم على سياسة الهيمنة إزاء البلاد العربية والافريقية.
4-أنه يدعي الحياد الايجابي، لكنه في الواقع يقف بجانب أمريكا في سياستها تجاه الشرق الأوسط.
    هذه معلومات أضعها يا سيدي اللواء بين يديكم ولا أحب أن أعلق عليها. وحسبي أن أسرد لسيادتكم ما سمعته من مختلف المصادر المسؤولة الموثوقة، وعلى رأسهم سفيرنا عمر أبو ريشة. ولا يسعني في الختام إلا أن أقدم أعمق احترامي راجياً من الله عز وجل أن يوفقكم إلى ما فيه خير الأمة والوطن، ونحن من ورائكم نجدد العهد ونعمل تحت لوائكم لخدمة هذا الوطن.

ملاحظة:
الرسالة هذه مرسلة مختومة بالشمع الأحمر، رجاء التأكد من وصول الرسالة مختومة بختم سفارة الجمهورية العربية السورية في واشنطن.

المصدر:
مذكراتي عن الانفصال في سورية، الفريق عبد الكريم زهر الدين، إصدار خاص، بيروت 1968م.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق